دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٢

العربية، قد يكون هذا الحديث من ضمن ما جمع في رحلاته تلك للغرض المذكور. وطلبُه الغلامَ أن يصف له العنز، كان ليسمع منه اللّغة الصّحيحة، فيدوّن هذا في مدوّنته.

أورد أيضًا أبو عليّ القالي الحديث الآتي تحت عنوان " مطلب خطبة الأعرابي السّائل في المسجد الحرام وشرح غريب ذلك": " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: أخبرنا أبو زيد، قال: بَيْنَا أنا في المسجد الحرام إذ وقف علينا أعرابي، فقال: يا مسلمون، إنّ الحمد لله والصّلاة على نبيّه، إنّي امرؤٌ من أهل هذا الِملْطاط الشّرقي المُواصي أسيافَ تِهامة، عَكَفتْ عليَّ سنون مُحُشٌ، فاجْتَبَّت الذُّرَى، وَهَشَمَت العُرَى، وَحَمَشَت النًّجْم، وأَعْجَتِ البَهْمَ، وهمَّت الشّحْمَ، والْتَحَبَتِ اللَّحْمَ، وأَحْجَنَتِ العَظْمَ، وغادَرَتِ التُّرابَ مَوْرًا، والماءَ غَوْرًا، والنّاسَ أوزاعًا، والنَّبَطَ قُعاعًا، والضَّهْلَ جُزاعًا، والمقامَ جعْجاعًا، يُصَبِّحُنا الهاوي، ويَطرُقُنا العاوي، فَخَرجتُ لا أَتَلَفَّعُ بِوَصيدَة، ولا أتَقَوَّتُ هَبيدَة، فالبَخَصاتُ وَقِعَة، والرُّكباتُ زَلِعَة، والأطْرافُ قَفِعَة، والجِسمُ مُسْلَهمِّ، والنَّظَرُ مُدْلَهِمّ، أَعْشُو فَأَغْطَشُ، وَأضْحَى فَأَخْفَشُ، أُسْهِلُ ظالعًا، وأٌحْزِنُ راكِعًا، فهل من آمرٍ بِمَيْرٍ؟ أو داعٍ بِخيرٍ؟ وقاكم الله سطوة القادر، وملكةَ الكاهر، وسوء الموارد، وفُضوح المصادر. قال: فأعطيته دينارًا، وكتبتُ كلامه، واستفسرته ما لم أعرفه."(1)

لا يخفى على القارئ ما اشتمل عليه الحديث من المفردات الغريبة. كما لا يغيب عنه قصد ابن دريد إلى تلقين المتلقّين عنه اللّغةَ العربية، وإحياء الألفاظ، التي قد تنسى، بسبب عدم تناولها، أو شعور النّاس بصعوبة النّطق بها، أو لاستثقالها. هذا ما قد يفهم من العبارة التي خُتِمَ به الحديث " واستفسرته ما لم أعرفه."

نضيف تفسيرًا أو تعليلاً أخر لهدا الاتّجاه في أحاديث ابن دريد. فقد يكون للاتّجاه الذي اتّجهه ابن دريد في أحاديثه، من التّركيز على اللّغة العربية في غريبها ومفرداتها وتراكيب أساليبها، وإيراد الحكم وقدرٍ من فصاحة الأعراب علاقة أو انعكاس لما ساد في عصره، من خلال المفاضلة أو المواجهة بين طائفتين، تعتزّ إحداهما بالثّقافة العربية الإسلامية، وتعتزّ الثّانية بالثّقافة المستحدثة الوافدة، وتزهو بها على الطّائفة الأخرى.(2) اختيار ابن دريد إحياء الألفاظ الغريبة، مندرج في هذا العمل، وهو الوقوف أمام

(1) - المصدر السّابق، ص: 113، 114.

(2) - ينظر ابن دريد الأزدي وتأثيره على الدّرس والنّصّ الأدبي، ص: 41 وما بعده.

٤٢ / ٥٣