دراسة في أحاديث ابن دريد محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٤٣

غزو الألفاظ الأخرى غير العربية، التي تتراءى للأجيال المعاصرة سهلة وجذّابة، فتهجر شيئًا فشيئًا المفردات العربية.

3 – الإكثار من رواية الأحاديث التي تتضمّن أشعارًا

هذه ظاهرة لافتة للنّظر في أحاديث ابن دريد، تفسير ذلك عندي أنّ العرب أمّة شاعرة، وأمّة تتذوّق الشّعر، وتراه الدّم الذي تعيش به، ولهذا كان هذا الشّعر يسري في شريان حياتها، ويتمدّد في مسالك حركتها، وقد لا يجد المتحدّث وسيلة للإفصاح عن مشاعره أحسن من الشّعر، حتّى ولو حدّث نثرًا، أردف ذلك شعرًا، وابن دريد لا يخرج عن هذا السّنن، ولا يشذّ عن القاعدة، ولا يندّ عن الجوّ العام. زيادة على كونه شاعرًا. فهو يقول الشّعر، ويرويه. الأمثلة على ذلك كثيرة، لا حاجة للتّمثيل له.

4 – النّزعة العقلية في الأحاديث

بعض الأحاديث التي حدّث بها ابن دريد نلمح فيها النّزعة العقلية، التي تتّخذ التّأمّلات مسلكًا تحقِّقُ في الأشياء، أو تقرّر الحقائق، أو تدعو إلى النّظر والاعتبار … وكثيرًا ما نلتقي مع هذا المنحى في الحكم والمواعظ. نذكر بعض النّماذج عن هذه الخاصية.

-ـ قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبوحاتم عن الأصمعي، قال: بلغني أنّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول: إنّما المرءُ في الدّنيا غرضٌ تنتَضِلُ فيه المنايا، ونهبٌ للمصائب، ومع كلّ جرعَةٍ شَرَقٌ، وفي كلّ أُكْلَةٍ غَصَصٌ، ولا ينال العبدُ فيها نعمَةً إلاّ بفراقِ أُخرَى، ولا يستقبل يومًا من عمره إلاّ بِهدْم آخر من أجَلِه. فنحنُ أعوانُ الحُتوف، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء، وهذا اللّيل والنّهار لم يرفعَا من شيءٍ شرَفًا، إلاّ أَسْرَعَا الكرَّةَ في هدمِ ما بَنَيَا، وتفريق ما جَمعَا، فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير معطيه، وشرًّا من الشَّرِّ فاعِلُه."(1)

هذه التّقريرات التي سجّلها عليّ بن أبي طالب هي نتاج عقله، الذي أوصله إليها بعد تأمّله في الحياة الدّنيا، وملاحظاته لما يحدث للنّاس فيها، والعواقب التي آلوا إليها. فوجّه الإمام عقول النّاس للتّأمّل في مسير هذه الحياة، واتّخاذ مواقف تستجيب لما يُمليه العقل، وتحديد ما يقدّم لها من جهد وعمل بما يتناسب مع حجم ما تستحقّه، وما يتطلّبه المكوث فيها … هذا التّوجيه الذي حدّده العقل يؤكّده ما جاء

(1) - كتاب الأمالي، ج2، ص: 54.

٤٣ / ٥٣