دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤٤في نهاية الحديث نتيجة منطقية عقلية: " فاطلبوا الخير وأهله، واعلموا أنّ خيرًا من الخير مُعطيه، وشرًّا من الشّرّ فاعلُه".
قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: بلغني أنّه وُلِدً للحسن البصري غلامٌ، فهنّأه بعض أصحابه، فقال الحسن: نَحْمَدُ الله على هِبَتِه، ونستزيدُه من نعمته، ولا مرحبًا بِمن إن كنتُ غنِيًّا أذهلَني، وإن كنت فقيرًا أتْعبني، لا أرضَى له بِسعْيِي سَعْيًا، ولا بِكَدِّي كَدًّا، أُشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصلُ إليّ من هَمِّه حزنٌ، ولا من فرحه سرور."(1)
رغم أنّ ما ذهب إليه الحسن البصري وجهة نظر، هي في حاجة إلى مناقشة ونقد. إلاّ أنّ النّظرة هي أصلا نتاج عقلي، وإلاّ لَما حملت هذه السّمة. كما أنّها من جهة أخرى تدعو إلى التّأمّل فيما يقدّم: قولاً كان أو فعلاً بعين فاحصة ناقدة، وبِمنظار مكبّر، يصنعها العقل. كما أنّ ما أضفى على الحديث سِمة عقلية المقابلة التي أجراها الحسن البصري بين الأشياء والحالات وما ينتج عنها: (الغنى والفقر، الهمّ والفرح، الحزن والسّرور).
- قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا أبو عثمان عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: قعد المأمون الحارثي في نادي قومه، فنظر إلى السّماء والنّجوم، ثمّ أَفْكَرَ طويلاً، ثمّ قال: أرْعُوني أسْماعَكم، وأصْغُوا إليّ قلوبَكُمْ، يبلغ الوعظُ منكم حيثُ أُريد، طَمَحَ الأهواء الأشَرّ، ورانَ على القُلوبِ الكدر، وطَخْطَخَ الجهلُ النّظر، إنّ فيما نرى لَمُعتبرًا، لِمن اعتبر؛ أرضٌ موضوعة، وسماءٌ مرفوعة، وشمسٌ تطلعُ وتغرب، ونجوم تسري فَتَعْزُب، وقمر تُطْلعُه النّحور، وَتَمْحقهُ أدبارُ الشّهور، وعاجزٌ مُثْرٍ، وَحُولٌ مُكْدٍ، وشابٌ مُخْتَضَر، ويَفَنٌ قد غبر، وراحلون لا يؤوبون، وموقوفون لا يُفرِّطون، ومطرٌ يرسلُ بِقدر، فيحيي البشر، ويورق الشّجر، ويطلع الثّمر، وينبتُ الزّهر، وماءٌ يتفجّر من الصّخر الأيَر، فَيَصْدَعُ المدر عن أفنان الخُضر، فيُحيي الأنام، ويشبع السّوام، ويُنمي الأنعام. إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المُدَبِّر المُقَدِّر، البارئ المُصوِّر، يأَيُّها العقولُ النّافرة، والقلوب النّاثرة، أنَّى تُؤْفكون، وعن أيّ سبيل
(1) - المصدر السّابق، ص: 29.