دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤٥تَعمهون؟ وفي أيّ حيرة تهيمون؟ وإلى أيّ غاية توفضون؟ لو كُشفت الأغطية عن القلوب، وتجلّت الغشاوة عن العيون، لَصَرَّح الشَّكُّ عن اليقين، وأفاق عن نشوة الجهالة، من استَولت عليه الضَّلالة. "(1)
الجانب العقلي واضح في الحديث. من آيات ذلك:
توجيه النّظر إلى التَّفكّر في مخلوقات الله، والتّأمّل في حركة الكون. عجّل صاحب الحديث، فقال: إنّ في ذلك لأوضح الدّلائل على المدبّر المقدّر … ثمّ الدّعوة إلى النّظر إلى مآل خلق الله، والاعتبار بذلك.
تنبيه العقول والقلوب إلى التأمّل والنّظر والاحتياط، كما جاء في العبارات الآتية: (أنّى تؤفكون، وعن أيّ سبيل تعمهون … إلى آخر النّصّ)
وردت فيه كلمات تحمل السّمة العقلية: (فنظر، أَفْكَرَ طويلاً، لَمُعتبر لمن اعتبر … )
هذه بعض الإشارات التي تبيّن أنّ بعض أحاديث ابن دريد تحمل سمات عقلية، الغرض منها تدريب العقول على التّأمّل والنّظر، وتعليم النّاس بعض الحقائق بطريقة تبعث على الاقتناع.
5 – الإيجاز في بعض الأحاديث
يتّخذ هذا الإيجاز، أو يظهر في مظاهر متعدّدة:
قد يكون على شكل تقرير حقائق، فيتوخَّى التّعريف الدّقيق، كما جاء على لسان حِمْيري وهو يشخّص، ويقرّر معنى الدّاء، قال أبو عليّ القالي: "حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا السّكن بن سعيد، قال: قيل لرجل من حمير: ما الدّاءُ العضال؟ قال: هَوًى مُحْرِض، وحَسد مُمْرِض، وقلبٌ طروب، ولسانٌ كذوب، وسؤال كديد، ومنعٌ جَحيد، ورُشدٌ مُطَّرَح، وغنًى مُمْتَنَح."(2)
وكقول معاوية بن أبي سفيان. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة، قال: قال معاوية: الفرصة خُلسَة، والحياءُ يَمْنَعُ الرٍّزْقَ، والهَيبَةُ مقرونٌ بها الخيبة، والكلمة من الحِكمة ضالّة المؤمن."(3)
كما يكون على شكل نصيحة موجزة، أو وصْفٍ مركّز لإحساسٍ داخلي، يروم إحداث وقع في القلب، والتّأثير في النّفس فيكون بليغًا؛ لأنّ في الإيجاز بلاغة، والبلاغة بلوغ النهاية في تبليغ المعنى والشّعور. وما يكون موجزًا يكون أكثر تقبُّلاً واستيعابًا من المتلقّي. كما حدّث ابن دريد في الحديث