دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤٦الآتي: قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سعيد بن هارون الأشنانداني عن التّوزي عن أبي عبيدة، قال: عزَّى رجل من العرب رجلاً على أخيه، فقال: محبوب فائت، وغُنْمٌ عارض، إن ضيَّعته فات أيضًا، وبقِيتَ حسيرًا، أمّا أخوك فلا أخوك، فلا يذهب بك جزعك فتحطّ سودَدَك، وتقلّ ثقةُ عشيرتِك باضطلاعك بالأمور، وفي كثرةِ الأُسَى عزاءٌ عن المصائب.
وحدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا عبد الرّحمن عن عمّه، قال: سَمعتُ عمّي يقول: التّهنئةُ على آجلٍ أولَى من التّعزية على عاجل المصيبة. "(1)
أمّا في الحديث الآتي، فقال أبو عليّ القالي: " حدّثنا أبو بكر، قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي، قال: ذُكر رجلٌ عند أعرابي، فوقع فيه قومٌ، فقال: أما والله لآكَلُكُمْ المأدوم، وأعطاكم للمغروم وأكسبُكُم للمعدوم، وأعطفُكم على المحروم. "(2)
6 – أحاديث تكون على شكل ألغاز
إنّ ابن دريد يقصد دائمًا إلى التّعليم، فهو ينوّع في أساليب هذا التّعليم. فكان منها أسلوب الإِلغاز، الذي يختبر به ذكاء من يخاطبهم ويعلّمهم، ويمتحن محفوظهم من الأدب العربي، ومخزونهم من المعارف والمعلومات. قال أبو عليّ القالي: " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله، قال: حدّثنا الرَّيَّاشي عن العمري عن الهيثم، قال: قال لي صالح بن حسَّان: ما بيتٌ شطرُهُ أعرابيٌّ في شَملة، والشَّطرُ الآخرُ مُخنَّثٌ يتفكّه، قلتُ: لا أدري، قال: قد أجّلتُك حولاً، قلتُ: لو أجّلتني حولين لَم أعرف، قال: أنَّى لك، وقد كنتُ أَحسبُك أجود ذهنًا مِمّا أرى، قلتُ: ما هو؟ قال: أما سَمعتَ قول جميل:
" ألاَ أيُّها النُّوّامُ وَيْحَكُمُ هُبُّوا "
أعرابيٌّ في شملةٍ، ثمَّ أدركه اللِّينُ وضَرْعُ الحُبِّ فقال:
" نُسائِلُكُمْ هلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ"
كأنّه والله من مُخنَّثي العقيق."(3)
الطّابع العام الذي يطبع أحاديث ابن دريد، يجمله أحمد درويش فيما يأتي: " … فإنّنا سنجد الأحاديث في مجملها تنزع منزعًا تعليميًا لغويًا، بمعنى أنّها تسوق الحكمة أو النّادرة أو الطّرفة في قالب