دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٤٨الحكايات، وما أعمل فيه خياله بالوضع والابتكار كان الهدف منه التّعليم والتّربية. هذا ما أعطى لأحاديثه قيمة معنوية كبيرة.
- التّوجّه إلى التّعليم جعله يورد في كثير من أحاديثه مفردات غريبة، وتراكيب غير مألوفة، وتعبيرات مختلفة الوجوه … يمليها على النّاشئة، ليلقّنها لهم، ثمّ يعقبها ببعض الشّروح والتّعليقات، أو يترك ذلك لتلاميذه، يتولّون المهمّة، كما كان يصنع ذلك مرّات عديدة تلميذه الوفيّ أبو عليّ القالي. " ما يدلّ على هدف التّعليم، وأنّه كان يرغب في أن يدرّب النّاشئة على إتقان اللّغة؛ بمعرفة أصولها وغريبها وخفاياها، أنّه في نهاية الحديث يقول: فما كان من الرّاوي إلاّ أن أعطاه دينارًا، وقد أعجب بكلام الأعرابي، فكتبه، بعد أن استفسر عن غوامضه(1) فأراد بطريقة ذكيّة وجذّابة أن يلقّن اللّغة للنّاشئة، فاخترع لها هذا الإطار."(2) يقول الدّكتور مصطفى الشّكعة: " فأحاديث ابن دريد تعليمية صرفة، والمقصود تلقين النّاشئة أصول اللّغة وغريبها، عن طريق الأحاديث الحوشية، والجمل المليئة بالغريب والعجيب."(3) إنّه يرغب في تقديم درس لغوي مع نصِّ أدبي إلى النّاشئة -بخاصّة – ليحتذوه، فيتخرّجوا بواسطته على الكتابة الأدبية الصّحيحة.
-اهتمّت أحاديث ابن دريد بحياة الأعراب وأخلاقهم، وأبطال الجاهلية وأيّامهم ومآثرهم، ووصف ما يتميّزون به، وعنيت بتصوير الشّمائل العربية. الغاية من كلّ ذلك هو تلقين النّاشئة الأخلاق العربية الأصيلة. يذكر زكيّ مبارك أنّ ابن دريد يكون أعمق تفكيرًا، وأحصف رأيًا، وأصدق حديثًا، وأدقّ تصويرًا، وأكبر نَفَسًا؛ حين يتحدّث عن شجعان العرب وفرسانهم. فهو يتعقّب أعيان الجاهلية، فينطقهم بألوان من الحوار؛ لكي يفهم الأجيال والأخلاف وكلّ العرب بما يجب أن يعرفوه عن أسلافهم، من الأخلاق والشّيم، التي يجب أن يتحلّوا بها، ليكونوا في مستوى هؤلاء …(4)
- تضمّنت الأحاديث وصايا مهمّة، تدلّ على أنّ ابن دريد عجم عود الدّنيا وحلب أشطر الدّهر، فخرج منها بمواعظ وعبر، قدّمها للنّاس، من خلال ما عرضه من أخبار وقصص عن الأعراب، الذين
(1) - ينظر مثلا كتاب الأمالي، ج1، ص: 114.
(2) - محمد ناصر بوحجام، ابن دريد العالم المعلّم، ص: 19، 20.
(3) - مقامات بديع الزّمان وعلاقتها بأحاديث ابن دريد، ص: 87.
(4) - ينظر النّثر الفنّي في القرن الرّابع، ج1، ص: 232.