دراسة في أحاديث ابن دريد لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٦4 – يضيف أحمد درويش في انتقاده لمسلك القالي في إملاء أحاديث ابن دريد: " … ولم يقف الأمر به عند عدم الاهتمام بتجاوز الأحاديث المتّصلة بموضوع واحد، بل حتّى الأحاديث المتّصلة بشخصٍ واحدٍ، وإنّما كان يحدث أحيانًا أن نَجد القصّة الواحدة المتّصلة الأجزاء تروى في موضوعين متباعدين، دون الإشارة إلى جزئها الآخر. ومن أمثال ذلك أنّ القالي يورد حديثًا في الجزء الثّاني عن البختري بن أبي صفرة، وكيف أنّ امرأة أحد الأمراء راودته عن نفسها فأبى، فكادت له عند المهلّب بن أبي صفرة، فغضب عليه. ويورد بعدها بنحو مائتي صفحة جانبًا آخر من الحديث، يتّصل بغضب المهلّب بن أبي صفرة على البختري، وعدم إسناد أعمال له واعتذار البختري وقبول المهلّب للاعتذار. ولا شكّ أنّ الخبرين ربّما شكّلا في الأصل رواية واحدة عند ابن دريد، خاصّة وأنّ سند الرّواية فيهما واحد … "(1)
هذا التّصرّف، أو هذه الطّريقة التي سلكها أبو عليّ القالي في إيراد الأحاديث وإملائها يبعثان على إعادة النّظر فيما أورده من أحاديث وتمحيصها؛ حتّى لا يساء إليها؛ بما يقدّم فيها من أحكام، قد تكون بعيدة عن الحقيقة. هذه مهمّة البحث العلمي، ومسؤولية الدّارسين الباحثين عن الحقيقة. كما يسعى إلى ذلك الدّكتور أحمد درويش في هذه المحاولة الجادّة.
رغم وجاهة ما نبّه إليه الدّكتور أحمد درويش، إلاّ أنّنا لا نصل بالحكم على القالي بعدم الاهتمام، فإنّ منهجه كان خاضعًا أو مستجيبًا لما كان سائدًا في عصره، ويمكن أن نقول: إنّ عليّ القالي كان وفيًّا لعصره ولمريديه ممّن يواظب على حضور مجالسه الأدبية. وما سجله أحمد درويش من عيوب على طريقته، والتي غيّبت النّصّ الحقيقي في أحاديث ابن دريد عن القارئ المعاصر، يندرج في سياق الطّموح إلى تيسير فهم التّراث، وتعبيد الطّريق للقارئ المعاصر، كي يصل إليه، وإلى فهمه، ومن ثمّ التّناغم معه والتّعامل معه بطريقة صحيحة مثمرة منتجة. وهو الدّاعي إلى تطوير العمل في هذا السّياق: " حتّى تتشكّل لدينا صورة ميسورة للقارئ المعاصر حول هذا التّراث الفنّي الهامّ. "(2)
لكلّ ذلك رأى الدّكتور أحمد درويش أن يقوم بمحاولة تذليل الصّعوبات للظّفر بالنّصّ الغائب، الذي اختفى وسط ركام ما جمعه القالي في كتابه الأمالي: " ومن هنا فقد رأينا أن نحاول اتّخاذ المنهج