مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

الشعوب والامم ووقوفا صادقا صامدا وانعطافا منحازا قاصدا مع كل مضطهد مغلوب أو عان مكروب أو يائس بائس، يطحنه الذل، ويمضغه الظلم وتسحقه الحاجة ويرغمه الفقر ويقهره الهوان. ولا تفتأ التناقضات تلهب ظهره وتثقل اصره وتدق فوق رأسه بمطارق المعسكرات الدولية أو الانتماءات الحزبية أو التقوقعات الشعوبية أو الملاهي الشيطانية، الصبيانية، كما نرى ونشاهد ونسمع ونقرأ، من كل ما يثير الغثيان، ويغضب الانسان. يفر به - هاربا غاربا - الى الغابات أو ادغال المارستان.

ان العالم الاسلامي - وقد كانت تحكمه قوانين الاحتمالات وتشطره اختلافات الفقهاء، وتمزقه المذاهب، وتقطع أوصاله الاجتهادات فردية كانت أو جماعية - بدأ يسترد انفاسه اللاهثة، وجهده المكدود، وخطواته الراكضة اللاغبة ـ التي طالما امشاها على رؤوس الحراب، وفي مفترق الطرق - في ظل هذه المؤسسة الوليدة الشرعية، والتي انفرج عنها، وتمخضها الفكر الاسلامي الصحيح المصفى، الخالي من التعقيد والتعصب والمنبثق أصلا من المنبع الأساسي للعقيدة، والمصدر المتفق عليه بين رجال القرآن والحديث، ورواد الفقه والشريعة وأساتذة الدين والايمان والذي اعتمده الرسول صلوات الله وسلامه عليه بين أمته وجماعته مرجعا لهم وقانونا في قوله: «لقد تركت فيكم، ما ان اتبعتموه لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي». أقول: لقد توحد العالم الاسلامي، واستراحت أمته، في ظل، وفي رحاب مؤسسة، أهل الاستقامة، أو «الفرقة الناجية» أو «الجماعة» التي نعتها الله تعالى بالخيرية في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت

- IYA-