مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٨

عائدين

العلم، واطمأن النباهتها إمامهما أوْصَاهُمَا خيرا، ثم سَرحة إلى موطنها. فكان لأبي داود شأن في عالم الإصلاح، إِذْ تَفَرّغ للجهاد الديني والعلمي، فأنشأ بجهة نفزاوة وسواها من جهات الجنوب جيلا إسلاميا فاضلا في خُلقه ودينه، كان البذرة الصالحة لما تبعته من أجيال تمسكت بالسنة والفضيلة، وقاومت البدع والرذيلة.

أما عبد الرحمان بن رستم فقد نَبغ في العلم والاجتهاد درجة بهرت أبا عبيدة أستاذه حتى أجازَ لَهُ حق الفتوى بما سمع منه وما لم

يمع. وبذلك كان قد اختاره لإمامة المذهب وريثا وَحَافِظا. لكن شاءت الأقدار والأحداث السياسية أن يَجْمَعَ عبد الرحمان ابن رستم إلى جانب ذلك مُهمَّة الاضطلاع بأعباء الحكم والسياسة، ذلك أنَّ ظلم الولاة قد اشتد بإفريقية بعد ابن أبي المهاجر المولى من قبل الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأكثر رجالهم من السلب والنهب، واستباحوا الحرمات، حتّى ثارت القبائل البربرية في وجوههم ثورات عديدة، اشتد ساعدها بنزوح الخوارج من الصفرية إليهم، فانقلبت إلى حروب حقيقيَّة طاحنة، خاضها العُمَّال أنفسهم، وقادوا جيوشها ضدّ الخوارج بأقصى المغرب وأوسطه دون

جدوى، إذ كانت الهزائم تلاحقهم حيثما هَجَمُوا وأينما حلوا. وقد كان المسؤول الأوّل عَنْ هذه الفتن، ومُوقد نيرانها العامل عبيد الله بن الحبحاب المولى من قبل هشام بن عبد الملك. يقول ابن عذاري: وكان السبب في ثورة البربر وقيام ميسرة (المدغري) أنها أنكرت على عامل ابن الحبحاب سوء سيرته كما ذكرنا، وكان الخلفاء بالمشرق يستحبون طرائف المغرب، ويبْعَثُون فيها إلى عامل

- YA-