الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٣واستقلالها الذاتي طوال الدولة الأغلبية وما قبلها بقليل وما بعدها ويكفي دليلا على ذلك ما أشار إليه بعضهم (13) من أنه كان للمذهب الإباضي مُفتيان اثنان في القيروان في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي (منتصف القرن الثالث الهجري. وقد قاومهم بنو الأغلب وحاربوهم محاربة لا هوادة فيها، وإن كان لا يعنينا ذكر ما دار بين الدولة الأغلبية والدولة الرستمية بتاهرت بينهما إنما هو دافع مذهبي يرى فيه الإباضية أنهم حماة الدين والسنة، ويراهم أمراء بني الأغلب خوارج متنطعين أصحاب بدع، والواقع أن الإباضية قد تمكنت من فرض وجودها التاريخي، فحققت عزا دينيا ذا بال بقيت آثاره إلى اليوم في أتباعه الذين
يعيشون بيننا، التزموا خدمة الدين ومقاومة البدع والرذيلة حازمين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما حققت مجدا سياسيا كان له شأنه في تاريخ الإسلام بالمغرب العربي. وتنبه إلى أمر له أهميته بالنسبة لمن يريد أن يقف على دور
الإباضية بإفريقية وموقف الناس منها، ذلك أن كتب التاريخ في سردها للأحداث التي جدّت بين ولاة الأمر بإفريقية وبين أتباع المذهب الإباضي تعتبر هؤلاء ثائرين خارجين عن الطاعة بل عن الدين، ينعتون بما ينعت به كلّ متمرد. وكان أصحاب تلك
(13) المصدر نفسه ص: 37. اقول: ربما كان لهذين المفتيين وجود قبل استلام سحنون مقاليد القضاء. اما في مدة قضائه فلا يصح ذلك، لأن الأمام سحنون قد اقصى من المسجد الجامع مشائخ كل الفرق الذين كانوا به. وقد تولى سحنون القضاء س: 848/ 234. وعلى هذا يكون للاباضية وجود بالقيروان قبل هذا التاريخ. اما في أواخر القرن 9 م. (أواسط 3 هـ) فغير ممكن وجودهم اللهم الا اذا كان ذلك في الخفاء وفي نطاق البرية.
-