مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٣

تلوح له في الأفق، وأصبح لا يرضى عن الانتصار الحاسم بديلا، وذلك بالتوفيق الذي كللت به مهمة مندوبه - عمرو ـ في بلبلة أفكار مندوب الإمام - أبي موسى الأشعري - وبالتالي بلبلة أفكار أتباع الإمام وإحداث شرخ واسع في صفوف أنصاره. وبهذا كان الإمام علي قد انهزم في المحكمة عن طريق مندوبه الضعيف، ورأت مجموعة كبيرة ـ من أصحابه ـ بما فيهم الأباضية والخوارج «كانوا طائفة واحدة يومئذ أن الإمام لم يعد إماما رسميا وشرعيا للمسلمين، ذلك لأن مجرد قبوله لمبدأ التحكيم ـ تحت أي ظرف من الظروف ـ يوحي بأنه لم يعترف بنفسه (الإمام الشرعي) للمسلمين

،

وأخرى، وهي بما أنه قد قبل التحكيم رسميا، فإنه مرغم ـ أدبا وقانونا ـ على قبول النتائج التي سوف تسفر عن ذلك التحكيم وتترتب عليه. وعلى مستوى القيادة - قيادة الأمة - فان منصب «الخلافة» أو الزعامة الاسلامية بقي شاغرا مدة أيام الاحتكام حيث أوقف الطرفان الاقتتال وقف اطلاق النار للمفاوضة. وهنا قامت المجموعة الرافضة للتحكيم بسده، إلى تقليد أحدهم منصب «الخلافة»، وهو عبد بن وهب الراسي بدون أن ينتظروا نتائج التحكيم، لأنهم - مبدئيا - رافضون لخلافة معاوية، وزعامته على المسلمين. فلم يكن هناك، بالنسبة إليهم، ضرورة تدعو إلى التريث لحين معرفة المنتصر، وثبت في مفهوم المحكمة، أن الإمام الشرعي قد تنازل عن حقه قبل اجراء انتخاب جديد ـ بدون شروط مسبقة ـ وعليه فلم تعد بيعته على عواتقهم

الله

ويبدو أن قوما آخرين قد تخلوا عن الإمام اثر قبوله التحكيم وانهزامه

في نتيجة الاحتكام فضلا عن الخوارج والأباضية. غير أن قوما كانوا يتعاطفون مع الإمام مائة في المائة، ويناصرونه سرا