مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٦

عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى تابعيهم بإحسان إلى

يوم

الدين

، أما بعد:

فإن التباين في أحوال الناس سمة من سمات البشر المعهودة، فلذلك تجدهم متفاوتين في المدارك، مختلفين في المشارب، متعاكسين في الأحاسيس، وإلى ذلك تعدد يرجع مذاهبهم في الأمر الواحد، وتباين تصوراتهم في القضية الواحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم) (4) وكثيراً ما تتأصل الحمية في نفوسهم فلا تلبث مع استمرار الوقت وعوامل الزمن أن تتحول إلى عقيدة راسخة متسحكمة، في العقل والوجدان، مستعصبة على الحجة والبرهان، لا تتزعزع لمحرك، ولا تنقاد الداع

ولذلك كانت دعوات المرسلين عليهم السلام تستفرغ منهم

ذلك

الجهد الجخيد، وتستغرق منهم الوقت الطويل، وتظل مع أفكار أكثر الناس سادرة في غيها، غارقة في عماها، لا تصغى إلى الحجج الصادعة، ولا تتفتح على المعجزات الساطعة، بل كلما إزدادت الحجة بياناً، والمعجزة ظهوراً، كانوا أشد تصامماً وتعامياً، وأوغل في العناد والشقاق وقد ابتليت كل أمة بالافتراق فيما بينها والانشقاق على نفسها، ولم تسلم من ذلك أمة حتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي ختصت بمبعث أعظم رسول إليها، وإنزال أجل كتاب عليها،

(4)