مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩

تنهل منه العقول المتنازعة إلا نتيجة لتباين المدارك واختلاف التصورات عند أئمة الفرق، ثم يؤصله تعصب الجماهير لأقوال أئمتهم بحيث تجعل كل طائفة قول إمامها أصلاً تطوع له الأدلة المخالفة له بكل ما تخترعه من التأويلات المتكلفة، فتوزعت الأمة شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون) (1)

ولست أبالغ إن قلت إن الإباضية - أهل الحق والاستقامة - تمتاز عقيدتهم وتتسم طريقتهم في فهم أصول الدين بثلاثة

قامور:

1 - سلامة المنزع، فإنهم جمعوا في الاستدلال على صحة معتقداتهم بين صحيح النقل وصريح العقل، فلم يضربوا بالنصوص الصحيحة عرض الحائط بمجرد تعارضها مع مقتضيات العقل بادى الرأي كما هو شأن أصحاب المدرسة العقلية الذين جعلوا العقل أسمى وأقدس، وأصح وأثبت مما جاء به النبيون عن الله عز وجل، فعولوا عليه في التحسين والتقبيح، والتعليل والحكم، كما أنهم لم يطفئوا شعلة العقل مستأسرين لظواهر الألفاظ غير مسترشدين به في استكشاف أبعاد معانيها، والغوص على حقائق مراميها، كما هو شأن عبدة الألفاظ الذين لا يأخذون من النص إلا قشوره، لا يتجاوزون شكله إلى جوهره، ولا يتعدون ظاره إلى مضمونه، بل استمسكوا بالعرى الوثقى من النصوص، واتخذوا من العقل

(1) سورة المؤمنون (آية (53).