مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٣٤

بامتداده إلى حاضر المسلمين ومستقبلهم، بل تجمد تجميداً كلياً

من الناحية العملية.

تلك

هي

الدعوة إلى تجاوز المراحل، التي أشرت إليها قبل قليل، بحسبانها من أهم ما صدر عن المؤتمر. فهي ليست فقط دعوة إلى التخلص من المرارات والأحزان القديمة، ولكنها أيضاً دعوة إلى صرف الجهد من أجل الانعتاق من أسار الماضي، والتوجه بكل الجهد إلى صياغة الحاضر والمستقبل. وفي ظل ظروف كالتي نمر بها - والحال فيها معلوم ويغني عن كل سؤال ـ فإن الانشغال بالماضي وإحياء صراعاته، يعد جريمة لا تغتفر. وهو تعبير عن خلل منكور في الرؤية، وإشهار علني للعجز عن التعامل الحاضر والمستقبل. لتبق دروس التاريخ، ولتغلق ملفات وقائعه وأحداثه، خصوصاً تلك التي تثير جدلاً عقيماً، لا يقدم ولا يؤخر. وهو مما يدل في نطاق (العلم

الذي لا ينفع)، الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله منه وداء الاشتغال بمعارك. الماضي أصيب به بعض أهل المذاهب، بقدر ما أصيبت به أشهر الحركات الإسلامية المعاصرة، فكما أن الأولين لم يتوقف جدلهم حول أحقية الإمام علي في الخلافة بعد وفاة النبي، وعدم شرعية خلافة أبي بكر، رغم أن الفصل في استحقاق أحدهما دون الآخر لن يغير من شيء ولن يضيف شيئاً. كذلك الحركات الإسلامية، التي ما زالت مشغولة بتصفية الحساب مع الحقبة الناصرية، والخوض في تفصيلات ما جرى في الخمسينيات والستينيات. هذا التطلع إلى الخلف لا يبدد الطاقات في غير طائل فقط، ولا يحجب الرؤية الصحيحة للحاضر والمستقبل فقط، ولكنه يعوق النمو

أيضاً!

134