مكانة الإباضية في الحضارة الإسلامية محمد بن صالح ناصر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٧

الحكم وحذرهم من الاندفاع، وبين تسرع بعض علماء الأمة الآخرين في إصدار مثل هذه الأحكام التي لا تؤول إلا إلى صدع جدار الأمة وتمزيق شملها، وهو أمر يستدعي أسف اللبيب وحسرته، كيف تنزل هذه الأمة إلى ميدان الشقاق والنزاع بينها، متجاهلة ما فرض الله عليها من الوحدة والوئام، والألفة والانسجام، ألم يأمرها الله بذلك في محكم كتابه بقوله: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها (1)؟! ألم يحذرها من عاقبة التفرق بقوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب

ريحكم) (2)؟! ألم يبعث فيها نبياً كريماً، ورسولاً أميناً يدعو إلى الوحدة دعوته إلى التوحيد فضرب فيها أروع الأمثال بصهر

?

كل ما كان من قبل بين قومه من خلاف ونزاع في بوتقة الإيمان فأخي بالإيمان بين الفئات المتناحرة، وألف بالإسلام بين

القلوب المتنافرة، وبيَّن أن هذه الوحدة هي وحدة عقيدة وعمل، ومبدأ وغاية، وأمل وألم، وصور ذلك أبدع تصوير عندما قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

(1) سورة آل عمران (آية 103) (2) سورة الأنفال (آية 46)

-

37