مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠٤

504

مائة كتاب إباضي

المتبعون لسُنَّته الآخذون بأهداف الحق أينما كانوا، وهؤلاء هم الغرباء الذين لا يجدون لهم وسطا يلائمهم وجوا صحيحًا يعيشون فيه، بل أينما توجهوا وجدوا أمامهم فتنا، هؤلاء هم الغرباء حقًا.

وكان من أحسن الطرق وأشدها تأثيرًا تلاوة سيرة الرسول الله الجامعة لأخلاقه الشريفة الكاملة ولآدابه الطاهرة، ولغزواته الشاملة لضروب الرحمة والعدل وحسن التعليم والهداية وأساليب السياسة المتينة الخالية مما تنفر منه العقول. ففي سيرته توجد حِكَم التشريع التي خص الله بها نبيه، بالإضافة إلى ملامح الكمال في الحديث وكرم الأخلاق، وقال الله: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وبالجملة فسيرته جامعة لكل جمال وكمال في الأعمال والأقوال والأخلاق.

هذا فضلاً عما شملته سيرته من مناهج السياسة، وتوزيع الحقوق وسياسة الملك وتدبيره وأنواع المعاملات وجميع ما يبنى عليه السلطان، وتستقيم به الحياة الاجتماعية، ويسود الوئام بين الخلق، وينتظم بها شمل الأمة

ويعلو أمرها.

والسيرة الجامعة هي التي تستفيد منها عامة الأمة، وخاصتها، ويهتدي بها الشارد عن الحق، وتوجد في الأمة قوة الإيمان والتمسك بأهداف الدين، والعمل في سبيل بقاء سيادتها، وعزتها ومنعتها وتدرك عاقبة التناصر والتخاذل، وتغرس في نفوس السامعين رقيا في الأخلاق وجدا في العمل وعلوا في النفس، وارتفاعًا عن الرذائل، وطموحًا إلى المعالي.

والذي يقصده العلماء من تدوين السيرة النبوية في المختصرات هو إقناع العامة، وغرس محبته في نفوسهم. والعامة أشد ميلاً غالبا إلى سماع الخوارق، وأشد تأثرًا بها، يظهر أن المؤلفين المختصرين يقصدون إلى هذا؛ ولذلك يقتصرون على جمع الخوارق دون أن يجمعوا معها كمالاته،