الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٢122
مائة كتاب إباضي
وأُجيب بأن إثمهم بالترك لتفويتهم ما قصد حصوله من جهتهم في الجملة لا للوجوب عليهم، ويدل للأول قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104] وقوله عل: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ) [التوبة: 122].
وتكلم المؤلف عن الأوقات الموسعة وغيرها. وحكم خطاب الموضع، وجواز التكليف بالمحال فقد أجاز جمهور الأشاعرة التكليف بالمحال مطلقا، أي: سواء كان محالاً لذاته؛ أي عقلاً وعادة وذلك كالجمع بين السواد والبياض أم محالاً، تغييره أي ممتنعًا عادة لا عقلاً كالمشي من الزمن، والطيران من الإنسان أو عقلاً كالإيمان من علم الله أنه لا يؤمن، لكنهم قالوا: جائز غير واقع ومنعه المعتزلة مطلقًا، وهو مذهب معشر الإباضية، أما تكليف الكفار فليس من باب التكليف بالمحال أصلاً، إذ الاستحالة عند الإباضية هي تعذر القدرة والاستطاعة. البتة. وهؤلاء قد جُعِلَ لهم استطاعة وكسب، فآثروا الكفر والضلال باختيارهم الفاسد.
6
إن من علم الله سبحانه منه عدم الإيمان أصلاً لم يكن مقصودًا بالخطاب في نفس الأمر وإن شمله خطاب التكليف ظاهرًا في الجملة، ألا ترى أنه إن ورد نص على معين أنه لا يؤمن أصلاً ترك صلى الله عليه وسلم دعاءه وكف عنه.
وكذلك سائر الأنبياء كإبراهيم بعد أن تبين له أن أباه عدو الله تبرأ منه، واعتزله وقومه وما يعبدون من دون الله، وكذلك نوح فإنه كف عن دعاء قومه بعد قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ ءَامَنَ﴾ [هود: 36]. والتحقيق عدم جواز التكليف بالمحال؛ لأنه يكون ضربا من العبث
والهذيان والشارع يتعالى عن ذلك علوا كبيرًا.
وقال جمهور العلماء لا يكون التكليف إلا بفعل، وذلك إما في الأوامر فظاهر، وإما في النواهي المقتضية للتروك فلأن التروك أفعال على الصحيح.