الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦٩الإباضية في موكب التاريخ
169
والإباضية لا يقدمون الرجال، ولا يجعلونهم علامة على الحق، ولا يوجبون تقليد غير المعصوم، ولا يتبعونهم ما لم يثبت الدليل الشرعي صواب مسلكهم، أو يرد النص بأنهم على هدي محمد كما شهد الحديث الشريف العمار الا الله ولبعض الصحابة رضوان الله عليهم.
قال فخر المجتهدين قطب الأئمة ـ محمد بن يوسف أطفيش ـ في رده على العقبي: وإن أردت أنهم مهملون لا إمام لهم فقد سهوت، فإن إمامهم
النبي
ولن يعظم في نظر الإباضية إلا المؤمن الذي يستمسك بسنة النبي ويسلك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، ومهما بلغ الرجل من العلم والعمل فإن في مقاله مأخوذا ومتروكا غير من قال فيه الكتاب الكريم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3 - 4]، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21).
بهذه النظرة الواقعية ينظر الإباضية إلى أئمتهم، فهم بشر غير معصومين، تحتمل أقوالهم وأعمالهم الخطأ والغفلة والنسيان ولذلك فما يصح تقليدهم لأفعالهم أو لأقوالهم، وإنما يؤخذ عنهم تلك الأقوال، ويقتدى بهاتيك الأفعال حين يقيمون على صحتها وصوابها الدليل الذي لا يقبل التأويل، فاتباعهم في قول ليس تقليدًا لهم، ولا اتباعًا لرأيهم، وإنما هو اتباع لمن يتبعون، وتقليد لمن به يقتدون وبهديه يهتدون وإلى حكمه يرجعون.
وهذا الكتاب يعنى أولاً بالشئون التاريخية لهذه الفرقة من فرق المسلمين الكثيرة المنتشرة في العالم ويعنى بها ثانيًا في مختلف أوطانها، ولم يكن الباعث على وضع هذا الكتاب غير الكشف عن جوانب مشرقة من تاريخ الإسلامية، في طائفة من طوائفها المتعددة، وفي ركن من أركان وطنها الفسيح.
الأمة
ويشير المؤلف أنه حين يكتب عن فرقة الإباضية أو عن غيرها من فرق