الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٤194
مائة كتاب إباضي
خلقه فقدره وأراده، وليس معنى أراده أنه رضيه، ففرق دقيق بين الإرادة
والرضا، بل كما يقول في الآية القرآنية: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: 7]. ولكن معنى أراده أنه لم يقع مغلوبًا على أمره، فلو شاء الله لمنع الناس بالقهر إن أرادوا معصية أو هموا بها، فيميتهم أو يزيل أبصارهم أو سمعهم أو بأي شيء آخر، ولكنه تعالى أعطاهم الحرية بفضله ولم يقهر أحدا
منهم.
ذهب المعتزلة إلى القول بخلق الأفعال محافظة على عقيدة العدل الإلهي، أما الإباضية وكافة الأشاعرة فذهبوا إلى الوسط وهو الحق فقالوا الخلق للأفعال من الله والاكتساب من العبد: أي: هناك خط دقيق فاصل بين الخلق والاكتساب، فللعبد اكتساب أي ممارسة وعمل باختياره في كل ما عمل. وهذا القدر المسمى بالكسب وهو متعلق بالثواب والعقاب؛ لأنه مكتسب باختياره، فاستحق ثوابًا على إحسانه واستحق عقابًا على إساءته، وإن كان البشر لقصور عقولهم وقلّة علومهم لا يستطيعون تحديد معنى الاكتساب تحديدا دقيقا يقينيًا. فهذا غير مستطاع.
فمذهب الإباضية في الشرق والغرب، ومنهم أهل الجبل أنفسهم، القول بالكسب، وإن خالف ذلك بعض علماء الجبل إلا أنهم لا يعدو إلا إفرادًا قليلة. والدليل اليوم من إباضية وأشاعرة معتقدين أن الخلق الله وحده، والكسب الاختياري منا وهو متعلق بالثواب والعقاب والعلماء يقولون: ستة أمور تنفي الجبر والجبل معا: المدح والذم والأمر والنهي، والثواب والعقاب، فأنت ترى مدح الله وعمل للمحسنين وثناءه عليهم وذم المسيئين وإنكاره عليهم، والمدح والذم عند العقلاء لا يقعان إلا على فاعل مختار فيما يفعله لما أمره ولما نهاه، ولا فائدة في أمر من تجبره على العمل، ولا في نهي من تجبره على الترك. ويُطرح على الشيخ بيوض سؤال في إعجاز القرآن، مفاده: ما هو رأي الإباضية في إعجاز القرآن؟