الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٠210
مائة كتاب إباضي
بينهم، وليجعلهما أحرارًا في حوارهما، ونقاشهما وحركاتهما، وسكناتهما من غير أن يخص أحدهما بشيء ما، وإن شاء كتب مقالهما، وجعله حجة عليهما اختلفا أو زادا أو نقصا في شيء مما يقتضيه خصامهما.
أن
ويحذر المؤلف القاضي أن يحكم في أمر به أقاربه، وعلى القاضي يدفعهم إلى قاض آخر، حتى لا يتبرم منه قريبه أو يلين هو إلى أحدهم بعاطفة القرابة، فإن للقرابة تأثيرا على النفوس.
أن
وليس للحاكم أن يسير إلى منازل الخصوم ليحكم بينهم، بل عليهم هم يأتوه، إلا إذا كان الحكم يتوقف على أشياء نظرية لا يمكن الحكم فيها إلا بعد الاطلاع عليها، وعلى هذا كان عمل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن إتيان القاضي للناس في بيوتهم إذلال للحق وخضوع للباطل، وإهانة لما أمر الله بإعزازه وكيف يحكم على قوم في بيوتهم.
وينتقل المؤلف إلى مهمة أخرى من مهام القاضي، وهي مهمة الإفتاء، ويرى أن الإفتاء والحكم شيئان يرجعان إلى أصل واحد، إلا أن الإفتاء يكون تشويشا للحكم، ذلك لأن الحكم يترتب على مقتضى المنطوق، فإنه ربما كان الحكم لزيد فينقلب بلسان خصمه إلى عمرو، وأشار إلى ذلك قول الله: «لعل أحدكم ألحن بحجته فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق خصمه»، وفي رواية «من حق أخيه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار». فدل ذلك على أن الحكم لا بد أن يترتب على المنطوق، ودل أيضا على
أن حكم الحاكم لا يحلل لا يحلل ما حرم الله من حق الخصم خلافًا لمن قال بذلك. وأوجب المؤلف المساواة بين الخصوم في الحكم، واعتبر المساواة هي أول الواجبات في الحكم فإن الله وعمل جعل القضاء بين العباد ميزانا عدلاً، وأمرًا فصلاً، فإن خاف فقد ضل ضلالاً بعيدًا، وإن الله يختبر العباد، وأصدق مختبر بين العباد الحكم بينهم، فإن الملائكة تشهده وتسجل حكمه.