الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١١هدى الفاروق
21
وتجب المساواة بين الخصوم في المجلس، فلا يُجلس أحد أو فريق في مجلس أدنى من الآخر، أو في مكانٍ أعلى من خصمه، ولا يكلم فريقًا بأعم أو بأخص من الآخر، ولا يسار أحدًا دون خصمه، فإن ذلك أكبر من المجلس للوعيد الذي جاء في الكتاب والسنة.
وكذلك يجب العدل في النظر بينهم، فإنه إن التفت بنظره إلى أحدهم دون الآخر تألم الثاني ودخل في نفسه سوء الظن، لأن محل الحكم محل سوء الظن للخصام الذي بينهم، ولذلك تأثير معقول، لا يخفى على أهل العقول. وأراد الشارع الحكيم أن يكون الناس في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد، إذا تألم بعضه تألم كله، وحكمة ذلك معروفة.
وغير لائق بمقام العدل والإنصاف أن يرتفع أحد الخصوم على الآخر بين يدي الحاكم الشرعي، إلا أن يكون المدعى عليه شريفا أو زعيمًا أو من الرؤوس العالية، فيزجره الحاكم إن تعدى طوره.
أما بعد المحاكمة فلا مانع إذا قرب الحاكم أحدًا من الخصوم كقريب له أم صديق، أو محترم في الناس؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أنزلوا الناس منازلهم» لكن في غير حال الخصام.
،
ولا يخفى أن فصل الدعوى في الحكم إما بالبينة العادلة المقبولة، المفترض قبولها، رضي بها الخصم أو لم يرض وإما باليمين عند العجز عن البينة، أو رفضها المدعي وطلب يمين الخصم هادرًا بينته، تاركًا لها، وليس له بعد ذلك إن حضر بينته أن تقام له الدعوى من حيث أهدرها بنفسه، فإن ترك حقه بنفسه مختارًا غير مجبور ولا مقهور ولا تقية فلا حق له، فإن اليمين
حق تام.
واليمين يقسمها المؤلف إلى قسمين: يمين قطع، ويمين علم،
أما
يمين