الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٣هدى الفاروق
213
ولا يخفى أن تعديل الشهود وتجريحهم أمر حدث بعد الفتن التي وقعت بين المسلمين، وبعد افتراق المذاهب، حيث أصبح الناس في اختلاف وفي شقاق ونفاق بالتأويل، وبالجارحة، ونهج كل قوم منهجًا، وظل كل فريق يعتقد الحق عنده والضلال عند غيره ومشت على هذا الحال، وهنا اضطر العلماء إلى التعديل والتجريح وتمحيص الأقوال، ونسبة المنقول عنه إليه، سواء كان شيخًا أخذ عنه أو كتابًا عن أحدهم، فأخذت أقوال ذلك لأجل إمكان مراجعة المنسوب إلى من نُسبت إليه.
أخذها
وكادت الأمانة أن تنتفي من الناس إلا ما شاء الله، ولا يخفى أن المأمون في دينه الموثوق به في علمه لا يلزمه ذكر الأقوال التي يوردها عمن عنه، فإن العلماء يأخذون عن بعضهم بعضا، وليس من الضروري ذلك، اللهم إلا إذا كان من المدعين العلم، أو المنتسبين إليه، ولا علم معهم ولا أمانة لهم. وشهادة الأعمى جائزة فيما يدرك علمه بالصفة سواء كان علمه قبل ذهاب بصره أو بعد ذهابه، مثل النكاح والطلاق والعتاق والنسب والإقرار في الأنفس وما دونها، والإقرار في الأموال بالمعاملات والتعديات، وقيل: تجوز شهادته فيما علمه قبل ذهاب بصره لا فيما علمه بعد ذهابه والبصر إذا استشهد في الليل فليشهد فيما تحقق له علمه.
وفي الأثر جازت شهادة الأعمى فيما يستدل عليه بالخبر المشهور كالموت والنسب والنكاح، والتجريح لا يخفى أنه الذي وقع على غير ما وقع للتعديل، ولعل الظاهر أن صفات التعديل ضدها صفات التجريح، ولا يخفى أن صفات النفاق مبطلة للعدالة؛ لأنها منافية لها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف،
وإذا ائتمن خان، فمن كان فيه واحدة من هذه الخصال ففيه خصلة
حتى يدعها
من
النفاق