مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٥١

بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية

251

وبلسانهم كان خطاب غيرهم من الأقوام والأمم لأن الله سبحانه يسر لهم معرفة هذا اللسان بالتعلم والممارسة.

:

ويكتفي من دراسة اللغة لبلوغ درجة الاجتهاد في الشريعة أن يتمكن منها المجتهد حتى يستطيع النظر في الأدلة الشرعية ويتفادى الخطأ في حملها على معانيها، ولا يلزم من هذا أن يكون قادرًا على الاجتهاد في نفس علوم اللغة. والحاصل أن الاجتهاد في الفقه موقوف على ملكة في العربية تمكن صاحبها من تعميق نظره في الأدلة الشرعية وما توحي به من المعاني وما تحتمله من الوجوه، مع المقارنة فيما إذا تعددت وجوه المعاني حتى يتبين ما هو الأرجح منها، ولا يخفى أن هذه الملكة إنما هي موقوفة على خبرة بالقواعد النحوية والتصريفية والاطلاع على النكات اللغوية، وتذوق لمعاني مفردات الكلمات من خلال تركيب جملها وممارسة لآداب العربية.

الشرط الخامس: معرفة أصول الفقه.

وهي

القواعد الكلية التي يضبط بها الاستدلال بالأدلة الشرعية التفصيلية في فروع الفقه، ودراستها من أهم ما يجب أن يتوفر للمجتهد، إذ بدونها يتعذر عليه ضبط الاستدلال حتى يكون في محله.

ولم يكن الرعيل الأول بحاجة إلى دراسة هذا الفن ليتمكن من استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ لأن ملكة ذلك كانت عندهم متوفرة بما أوتوا من حدة الذهن وعمق النظر وسعة المدرك، وكانوا على صلة بأهل الشريعة ومصدرها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يتنزل عليه الوحى بين ظهرانيهم ويتلقونه منهم غضًا طريَّا، كما أنهم لم يكونوا بحاجة إلى دراسة قواعد النحو لوقاية ألسنتهم من اللحن، فكانوا يرفعون الفاعل والمبتدأ والخبر، ويحملون الأمر على الوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة والنهي على الحظر ما لم يدل دليل على خلافه من غير أن يرجعوا في ذلك إلى قواعد معينة.