مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٨

268

مائة كتاب إباضي

ولم يكن التعامل بهذا البيع معهودًا في الصدر الأول؛ ولذلك لم يرد له ذكر في الحديث الشريف ولا في الآثار المروية عن الصحابة - رضوان الله عليهم - ولا في أقوال التابعين، بل ذهب كثير من الفقهاء الذين بحثوا أحكامه إلى أن نشأته كانت في القرن الخامس الهجري ببلاد ما وراء النهر.

ويرى سماحة المفتي أن هذا البيع لم يقصد به إلا التحايل على الربا بأسلوب المخاتلة والخداع يخفي هذا القصد، فإن المتعاملين به يعهدون إلى إظهار وجه البيع منه ومواراة وجه الربا، وقد تفطن لذلك أهل العلم، فمنعه جمهورهم من أصله لما ينطوي عليه من سوء المقصد، ويترتب عليه من فساد في دين الأمة وأخلاقها، ولأن الحلال والحرام لا ينظر في حكمهما إلى الصور الظاهرة. وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية مما يعتمل بين طوايا النفس، والعبرة إنما هي بالجوهر لا بالشكل وبالحقيقة لا بالخيال.

وقد اشتهر الحنفية بالتسامح في المعاملات والتوسع في كثير من الأحكام حسبما يوحي به الظاهر أحيانًا من عدم مجانبة شرع الله؛ لذلك كانوا أكثر المذاهب توسعا في أحكام البيع.

وأما الإباضية، فإن أوائلهم لم يتعرضوا لحكم هذا البيع؛ لأن الله تعالى عافاهم منه إذ لم يكن معهودًا في زمانهم، وإنما سرى من بعدهم إلى أعقابهم، فكان بحاجة إلى بحث أحكامه وتفصيل أدلته من قبل أولي العلم.

وقد تفاوتت فطرة أهل العلم إليه بين واقف على شكله الظاهر وغائص إلى أعماق جوهره الباطن، وقد جمع الشيخ الخراسيني من فتاواهم وأحكامهم وأقوالهم في مسائله كتابًا يشتمل على ثلاثة أسفار كل منها كبير الحجم سمّاه خزانة الأخيار في بيوعات الخيار». وكلامه فيه ينطوي على أن هذا البيع من الربا المبطن.

ويخلص المؤلف إلى أمور: