مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٨٧

دراسات إسلامية في الأصول الإباضية

287

الحساب، ولا يعني الرؤية بالإبصار. ثم إن هذه الآية تدعمها وتوافقها هذه الآية الكريمة المحكمة الواضحة: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ [الأنعام: 103]، وهذا الاستدلال العقلي والاجتهاد النظري يُعد وسيلة لإثبات وتوكيد توحيد الله وتنزيهه من كل شيء.

أما الأدلة العقلية فتمثلت فيما يلي: لو أمكنت رؤية الله لكان جسمًا ومتحيزا و موجودًا في مكان أمام حواسنا، أو كونه في حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآة، وكذلك عدم غاية القرب فإن المبصر إذا التصق بسطح البصر بطل إدراكه بالكلية. وبعد هذه الأدلة فإن الإباضية تجزم بامتناع رؤية الله في الدنيا والآخرة. فهذا الأصل قد اعتنقته المعتزلة والشيعة ويخالف رأي الأشعرية التي ترى أن الله يُرى بالأبصار، ولكن في غير حلول

الأصل الخامس القدر ارتبطت مشكلة القدر دوما بمصير الإنسان عامة والمسلم خاصة. وهذه المشكلة الفلسفية الميتافيزيقية لا تزال مطروحة في المذاهب الفكرية المعاصرة.

وفي العصر الأموي والعباسي وما بعدها ظهر اتجاهان متعارضان لهذه

المشكلة، هما:

1 - أن الإنسان مسيّر لا مخيّر إزاء قدرة الله المطلقة الخالقة لكل شيء، وهو مذهب الجبرية.

2 - أن الإنسان هو الخالق لأفعاله، وهو مذهب المعتزلة والقدرية.

إلا أن نصوص الإباضية تخالف المذهب الجبري والمذهب القدري على حد سواء، وترى أن للإنسان قدرة على الفعل، والله وعل هو الذي يخلق فينا القدرة ولا يحاسبنا على هذه القدرة، بل أن الحساب ينصب على الأعمال التي اكتسبها الإنسان اكتسابًا عن طريق جوارحه وإرادته الحرة.

فالكسب إذن عند الإباضية يقوم مقام الخلق عند القدرية ومدرسة الاعتزال.