الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٣الدولة الرستمية (160 - 296 هـ / 777 - 909 م)
الأولى من تاريخ العرب والمسلمين الفكري، ومن حيث المكان في المغرب العربي، إذ هي من الدول الأولى التي انفصلت عن المشرق في ذلك التاريخ المبكر، انفصالاً سياسيا، فإن كل ما قدمه أبناء المغربين الأوسط والأدنى تحت ظل هذه الدولة في الميدان الفكري يعتبر جديدًا في المغرب العربي. لقد كان للرستميين دور بارز في الحياة الفكرية بالمغرب الأوسط خاصة أن هذه الدولة قد حملت مشعلاً عظيمًا للحضارة والعلم في الشمال الإفريقي فكانت تلي القيروان في ذلك، وما كان لفاس عاصمة الأدارسة أن تبلغ مبلغ تيهرت الرستمية في الحياة الفكرية الدينية منها خاصة، بل لقد كانت تيهرت من الناحية الثقافية بارزة جنبًا إلى جنب مع القيروان وقرطبة، أكبر عاصمتين مغربيتين في تلك الفترة تحاكيهما وتنافسهما.
والحقيقة أن الرستميين، بحكم ثقافتهم الواسعة، شجعوا الحركة الفكرية، فنشطت تيهرت في هذا الميدان، كما نشطت في الميادين الأخرى، وطار صيتها في الآفاق مباشرة بعد تعميرها حتى دُعيت عراق المغرب»، و «بلخ المغرب» إلحاقها بهما في المعارف والعمران والحضارة.
وإذا كانت تيهرت قد برزت كمركز ثقافي مشهور في المغرب العربي، خلال القرن الثالث الهجري، فإن ذلك راجع إلى كونها عاصمة دولة مستقلة، عرفت نشاطًا باهرًا في مختلف الميادين، إضافة إلى بعض المراكز الثقافية التابعة لها، وكان أبرزها جبل نفوسة وقراه ويعتبر كهف العلماء ومقصدهم، ويشكّل جزءا كبيرًا من التاريخ الثقافي في المغرب.
ولعل من أبرز مظاهر الحياة الثقافية في الدولة الرستمية ما قامت به هذه الدولة من تعميق لجذور الإسلام في نفوس المغاربة، يتجلى ذلك في اهتمام الناس بهذا الدين دراسة وعبادة وسلوكًا. فإذا كان المؤرخون يتفقون على أن المغرب العربي تعرَّب بفعل هجرات قبائل بني هلال وبني سليم وغيرهما، أو