مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٠٨

مائة كتاب إباضي

والأوسط، كما كانوا المشجعين الحقيقيين للمعرفة والتعليم؛ ومن هنا وجدنا أعدادًا كبيرة من العلماء والفقهاء خاصة، عجبت بهم بطون كتب سير الإباضية. وهكذا كانت تيهرت في المغرب الأوسط؛ كالقيروان في أفريقية أو قرطبة في الأندلس، ففي الوقت الذي كانت فيه القيروان عاصمة المذهب الحنفي ثم المالكي، كانت فيه تيهرت عاصمة المذهب الإباضي، ومروجة فقهه، وقبلة الإباضية في المغرب، بل حتى إباضية المشرق في فترة من الفترات والحقيقة أن اختلاف المذاهب في الإسلام لم تكن له إلا سلبياته السياسية، بل أن إيجابياته أعظم إذ أثرى الفكر العربي الإسلامي وشحذ الهمم، وأشغل العقول، وألفت الكتب، ووقع التنافس، وكان نتاج ذلك كله هذه

المكتبة العربية الإسلامية الضخمة المتنوعة.

فالإباضية كغيرها من المذاهب فرع من فروع الفكر العربي الإسلامي، ورافد من روافده الزاخرة المعطاءة، وكانت العلوم النقلية من أبرز ما اهتم به الرستميون، وكذلك العلوم العقلية.

وقد برز جبل نفوسة في العلوم النقلية بكثرة فقهائه حتى أصبحت بيوته لا تحتاج إلى من يفتيها في دينها لانتشار العلم بينها عامة، وأغلب من ذكر من العلماء في الدولة الرستمية من نفوسة.

ومنذ سقوط الرستميين وهروب البعض منهم إلى وارجلان - وربما إلى بعض المناطق الإباضية الأخرى آنذاك بعيدا عن تيهرت ـ دخل الإباضية منعطفا خطيرًا من تاريخ حياتهم، دخلوا في الكتمان والتقية بعد الظهور، وانتبذوا لهم مكانًا في مواطن جبلية أو صحراوية صعبة، وأسسوا نظما تربوية

واجتماعية دقيقة، حافظ على بقائهم إلى يومنا هذا.