الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣١٥البعد الحضاري للعقيدة الإباضية
315
ذلك من الجوارح، وفعلاً فقد فهم الإباضية من يومهم الأول أن القرآن الكريم لو حمل على ظاهره في فعل هذه المفاهيم لتناقض، وأنى لكتاب الله أن يتناقض؟ فعكفوا على كتاب الله تعالى وعلى الحديث الشريف، وعلى ما في اللغة من مجاز، وأقروا تفاسير واضحة لكل هذه المفاهيم، وكان محط الثقل خاصة عند قضيتي الاستواء ونفي الرؤية، فجاء الاستواء بمعنى الأمر والسلطان، ذلك ولهم في من الأدلة الكثير نقلاً وعقلاً، وأما الرؤية فأساس البحث فيها أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وقد مكنهم موقفهم الدفاعي ضد من يرون أن الاستواء كاستواء الأمير على السرير، أو ينهون عن السؤال عن الكيفية، أو يرون إمكانية الرؤية في الدنيا أو في الآخرة، من جولات موسعة أساليب اللغة وفنون البلاغة مع من رأوا رأيهم من المعتزلة.
في
إلا أن إعمال الفكر لا يمكن أن يفضي دائمًا إلى نفس الحل، وموقف الإباضية في هذا صريح إذ يعذرون المتأول في تأويله، وإن كانت أحكامهم في بعض الأحيان قاسية على هؤلاء سواء أكانوا من غير الإباضية أم من الإباضية. ومهما يكن من أمر في شأن الاستواء والرؤية فإن الخلاف بين المسلمين بقي نظريا بالنسبة إلى ما عُرف عن محنة خلق القرآن وإن لم يحترق الإباضية مباشرة بنار هذه الفتنة مثل الحنابلة فى البداية والمعتزلة فيما بعد، فإن شرار هذه الفتنة انعكس على بيئتهم العُمانية في البداية، فاضطرت إلى موقف عام لا يمت بصلة لا بالخلق ولا بالقدم، لكن إباضية المغرب سرعان ما ردوا الفعل على الدولة العباسية والإمارة، الأغلبية، فأعلن إمامهم أبو اليقظان أن الصواب في رأي القائلين بخلق القرآن، وكتب رسالته في هذا الشأن، تلكم الرسالة التي بقيت أساس كل بحث في هذه القضية.
إن هذا المبحث الذي يبدو كأنه عديم الجدوى أثرى الفكر الإباضي والإسلامي في مستوى التحليل البلاغي والفلسفي والعقائدي، وتجلى أن ثورة