مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣١٩

البعد الحضاري للعقيدة الإباضية

319

الإلهيات، ولا بالجبرية الذين لم يميزوا بين حركة المضطر وحركة المختار، واعتبروا حركة الإنسان كحركة الشعرة في مهب الريح، وقد ظهرت بوادر الاعتدال من وقت مبكر بعد التحول من موقف التفويض، وذلك مع إمام الإباضية الثاني أبي عبيدة مسلم. وفعلاً فقد وقفوا مناظرين المعتزلة والجبرية قبل نشأة الأشعرية والماتريدية مستعملين حجج هذا على ذاك. ومع نشأة هاتين المدرستين تبلور مفهوم الكسب، وهو مصطلح اتضحت معالمه القائل: إن الفعل من العبد والخلق من

الله.

ولم يستقر هذا بصفة نهائية إلا بعد أن تناست الأجيال ما جد من خلاف بين أهل جبل نفوسة وبقية أهل المغرب فيما يتعلق بالجبر والاختيار، واستقر الوضع

على مفهوم الكسب مع بلورة مفهوم الإرادة والاستطاعة والعون والخذلان. والمهم في كل هذا أن الإباضية لم يجردوا الإنسان من المسؤولية، والقول بالكسب شعور من الإنسان أنه مسئول أمام مشيئة الله التي لا تحد، والفرق بأنه كبير بين من يصرح مجبر ويحمل مسؤولية جميع أعماله على الله تعالى

فيفعل ما يطيب له وبين من يعتبر أن كل عمل هو من كسبه، وأن له دورًا فيه سيحاسب عليه بين يدي الله.

وينادي المؤلف بأنه على المسلم المؤمن بالقضاء أن يؤمن إيمانًا راسخًا، وأن هذا الإيمان لا يزيده إلا ثقة في الله تعالى ومضيا في فعل الخير، الأمر الذي يعود على الأمة الإسلامية بالخير.

ومثل هذا الإيمان الراسخ هو الذي عرفه أصحاب الرسول، ففتح الله على أيديهم أطراف العالم. والحقيقة أن العقل مهما تمرد فإنه يركع خاشعًا أمام عظمة الله التي لا تحد، فإذا استكبر ونأى فإنه يجني مرارة استكباره بعد حين، ويبقى مدركًا أنه لن يستطيع إزاحة الستار عن كل الحقائق الكونية، فكيف

بعالم الغيب.