الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢٠320
مائة كتاب إباضي
وإذا أدرك الإنسان أن له جانبًا من المسؤولية في كل ما يقوم به فلم يبق له إلا أن يفكر في ثمرة العمل في الدنيا والآخرة.
أما عن البعد الحضاري لهذه القضية فيشير المؤلف إلى أن لقضية القدر طرفين يتوغل أحدهما في عالم الغيب مع علم الله وقدرته وإرادته، ويمتد الطرف الثاني في عالم الشهادة، حيث تتم حركات جميع المخلوقات وسكناتها بما في ذلك الإنسان، ويبدو أكثرها تعقيدا.
والمتأمل في تاريخ البشرية يحس أن القضية انطلقت مع خلق الإنسان واستكبار إبليس عن السجود لآدم، وما إن هبط الجميع إلى الأرض بعضهم لبعض عدو حتى ظلوا يتجاذبون طرفي حبل القضاء والقدر، ولا تكاد تخلو حضارة من إثارة هذه القضية سواء كانت وثنية أو قائمة على الوحي المنزل من السماء.
وفي محيط عرف الخوض في هذه القضية انتشرت الحضارة الإسلامية بين العرب الذين كانوا يقولون بالجبر وبين اليهود والنصارى، ثم المجوس والهنود، وكان التفاعل، وكان الأخذ والعطاء، والقبول والرفض.
ومعلوم أن منطلق هذه الحضارة الوحي القرآني والنبوي، وقد جاءا طافحين بتوضيح هذه القضية، وجعلاها أساسا من الأسس التي لا يتم الإيمان إلا بها. وألح النبي خاصة على أنها سر من أسرار الله تعالى، ونهى عن الخوض فيها. لكن المسلمين لم ينتهوا عن الخوض فيها عدا الرعيل الأول من الصحابة الذين غلب عليهم طابع الإيمان بما يرون من إعجاز في القرآن الكريم، وبما يلمسون في سيرة الرسول من قدوة حسنة، وفي كلامه ما يغنيهم عن الجدل والعناد.
وما إن هبت عاصفة الفتنة الكبرى حتى ثارت قضية القدر، وعاد تجاذب طرفي الحبل بشدة، فأصحاب السلطان ضغطوا على طرف الغيب فجنحوا إلى