مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢١

البعد الحضاري للعقيدة الإباضية

321

القول بالجبر حتى يقنعوا الناس أنهم يستمدون نفوذهم من الله، والقوى المعارضة ضغطت على طرف عالم الشهادة بقوة واعتبرت أن هذا النفوذ عمل بشري محض واستبداد لا دخل لعالم الغيب فيه.

ولم يغب الإباضية عن هذا الغليان الحضاري بل كان لهم موقفهم من المحطة الأولى، ورغم أنهم من صف المعارضة، ومواقفهم من الأمويين معروفة، ولم يجنحوا إلى ما جنح إليه المعتزلة ولا إلى ما جنح إليه الجبرية، بل كان موقفهم مع الإمام جابر موقف الرسول صلى الله عليه وسلم: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ثم إن الاحتكاك الحضاري بسائر الفرق الناشئة في مدينة البصرة - حيث برزت حلقات المناظرات، وتمازجت الحضارات، وأُثيرت القضايا العقائدية بقوة بحسن نية، وبسوء نية والبصرة هي منطلق دعوة الإباضية ومركزها الأول ـ دفع بأبي عبيدة إمام الإباضية الثاني إلى التمييز بين القدر والمقدور لتبكيت واصل بن عطاء، وبيّن أن القدر من الله والمقدور من الإنسان، وإلى البراءة من بعض أتباعه الذين ولوا وجوههم شطر نزعة غيلان الدمشقي، وعلى هذا المسلك درج الربيع بن حبيب حيث جمع كل ما وصله من أحاديث في هذا الموضوع، وعلق عليها بأن الخلق من الله والفعل من العبد. وفي هذا الجو تولدت عن قضية القدر مسائل كثيرة أبرزها قضية الجبر والاختيار أو ما عُرف بخلق الأفعال، بل صارت مركز الجدل بين المتكلمين وكلَّما أُثيرت قضية القدر تتجه الأنظار إلى هذه المسائل مع مسائل أخرى مثل

الاستطاعة والإرادة والعلم.

وبحكم التطور الحضاري وأثر الفكر اليوناني الفلسفي تحول الفكر الإسلامي تدريجيا من طور الجدل المتحمس الدفاعي إلى طور التقعيد والتنظير، وسلك الإباضية نفس المسلك فنشأت التعريفات الاصطلاحية، وقالوا: إن القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة،