مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٢٧

البعد الحضاري للعقيدة الإباضية

صحيح

327

ذلك أن الإيمان مطية للمعاصي لا للطاعات واجتناب المعاصي، ويحيى بن معاذ نفسه لما أحس بأن في المعادلتين كلامًا ختم بالاستناد إلى رجاء العفو. أن الله تعالى عفو ـ يحب العفو ـ لكنه يبين في القرآن الكريم شروط العفو والغفران. ولا ينبغي أن ينقلب الاتكال على العفو سبيلاً من سبل انتهاك حرمات الله تعالى وهذا ما استند إليه أهل الكتاب إلى جانب تعويلهم على أنهم شعب الله المختار، وقد ردّ عليهم القرآن الكريم بشدة، وبين قولهم بعدم الخلود من باب الأماني التي يستحيل أن تتحقق.

أن

صحيح أنه وقع الاعتماد على الشفاعة ولكن أتكون الشفاعة بمفهومها المطلق عاملاً من عوامل دفع الناس إلى العصيان، أم حافزًا من حوافز الشكر

لله تعالى؟

الحقيقة أن المسلم الحق لا ينبغي أن يستغل جانب العفو الإلهي وشفاعة المصطفى ليشبع شهواته مما أراد، وربك في النهاية غفور رحيم، ولا يمكن بحال أن يرد شفاعة النبي فيمن في قلبه دون الذرة من الإيمان إن كان ما دون الذرة موجودًا، بل يجب أن يزداد بذلك شكرًا الله تعالى، فيقبل على طاعته وينتهي عن نواهيه وبذلك لا يكون من الذين يأمنون مكر الله لأنه فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ} [الأعراف: 99].

والإباضية ومن يقول بقولهم في الوعيد والخلود كثيرًا ما يتهمون بالغلو الدين على أساس أن مثل هذه المواقف من شأنها أن تنفر الناس من الدين.

والجواب: أن الفرق كبير بين الغلو في الدين ومعناه تجاوز ما تتحمله النصوص من المعاني وبين فهم النصوص بوجه معين، إن منطلقات الإباضية من القرآن والسُّنَّة، ولم يكن قصدهم تنفير الناس من الدين، وإنما كان هدفهم الأسمى صلاح المسلمين، ومهما يكن من أمر فمنتظر الخروج من النار وإخلال

الوعيد يكون أجرأ على العصيان ممن يعتقد إنفاذ الوعيد والخلود في النار.