مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٣٧٧

الخوارج والحقيقة الغائبة

377

طوال القرون الغابرة، والذين طالما شوهت حقيقتهم وما لهم من ظلم الفرق الأخرى ومن حيف كثير من المؤرخين والكتاب الشيء الكثير، كانوا ـ في الحقيقة ـ طلاب حق أصابوه، وإن قيل عنهم غير ذلك، وقد جرت الأمور على ما توقعوه. والمتأمل في المجريات التاريخية يتبين له صدق هذه النتيجة، ولا غرابة في ذلك، فقد كانوا من أهل الفضل والعلم، وكان فيهم جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل تدل بعض الروايات على أن فيهم السن الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: الأقدمين منهم. كما وصفوا بأنهم أصحاب البرانس، والسواري، وفي ذلك دلالة واضحة على اتصافهم بنعوت الخير والتقى والزهد في الحياة، ووصفوا بالقراء الذي كان لقبا للعلماء والفقهاء يومئذ، وقد ذكر عن ابن عباس ما يكفي للتأكيد على صحة هذا الوصف. فقد قال لعتاب بن الأعور التغلبي - أحد معارضي التحكيم: «إني أراك قارئًا للقرآن عالمًا بما قد فصلت ووصلت»، الأمر الذي دعا راوي القصة إلى وصفه بقوله: «كأنما ينزع بحاجته من القرآن في سورة واحدة».

وبناءً عليه فلا مجال لقبول تأويل حديث المروق الصحيح أو غيره فيهم. وقد بان جليا أن حديث المخدج الذي يقتضي أن يُراد به أهل النهروان غير

ثابت، بل حکمت عليه السيدة عائشة لا بأنه مكذوب على النبي

كما تجلى أيضًا أنهم بريئون من وصمة الخوارج التي تلصق بهم، والأمر نفسه يجري على نهجهم دون غلو ولا شطط كما هو حال الأزارقة والنجدات

والصفرية الذين حكموا على مخالفيهم بالشرك والكفر المخرج من الملة. ورغم ذلك فإن ما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي تنص على الذين سموا بالخوارج أو تشير إليهم لا يثبت، وليس كل ما يروى في الخوارج يكون صحيحًا، وذلك كالأحاديث التي مرت من قبل، كمثل حديث: «الخوارج كلاب النار الصريح بلفظه، فلا يصح أن يكون من كلام خير البشر الذي لا ينطق

عن الهوى، وقد أوتي جوامع الكلم وأفانين البلاغة.