الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤١٩منهج الاجتهاد عند الإباضية
419
والدارس لتراث هذه المدرسة الممتد عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان
لا يجد أثرًا لهذه المقالات؛ بل يتملكه العجب من البون الشاسع بين ما في هذه المصادر وبين ما يُشاع عنها بالأقلام والأقوال.
لهذه الأسباب المجتمعة يقدم المؤلف دراسته وهي محاولة تستهدف التوفيق لتصحيح الرؤية، والتعريف بجهود هذه المدرسة في تأصيل أهم علوم الشريعة، متمثلاً في علم أصول الفقه؛ لأنه المنطلق الأول لبناء مجتمع مسلم ملتزم بأحكام الشرع في كل مناحي الحياة.
وقد تعددت الآراء حول الإباضية، بعضها ينكر أن يكون لها فقه، أو نتاج فكري أساسًا، ويرى أنها طائفة لا علم لها بالسُّنَّة ولا فقه حيث لا تكون سنة، وبعضها ينسب إليها آراء فقهية شاذة كإنكار الرجم، وإيجاب قضاء الصلاة على الحائض، وجواز الجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها، وغيرها من الآراء التي توشك أن تخرجهم من زمرة المسلمين، وبعض الكتاب يقرون أن، للإباضية فقها جيدًا وتراثًا مدوّنًا بينما يقول آخرون إن لها كتبا فقهية، ولكنها مستورة عن الناس. فما موقع الإباضية الحقيقي من هذه الأقاويل؟
الحقيقة أن المطلع على تراث المدرسة الإباضية الفقهي يتملكه الاندهاش من ضخامة التآليف المدوّنة عندهم منذ فجر التدوين إلى العصر الحديث، ولكنها ظلت في منأى عن أعين الناظرين والدارسين، بحكم عوامل الجهل والتعصب والقطيعة بين طوائف المسلمين وامتداد ظلال الفتنة الكبرى على فكر المسلمين وعلاقاتهم، طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان حتى قام من جراء ذلك جدار من حديد بين أبناء عقيدة التوحيد.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كان للإباضية منهج في هذه التأليف والموسوعات الفقهية الضخمة؟ وكيف كان منهجهم في الاجتهاد؟ وما هي معالم هذا المنهج وأثره على نتاجهم الفقهي تنظيرًا وتطبيقا؟ وهل كان الفقه