الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٣منهج الاجتهاد عند الإباضية
423
هذه
المسلمين، بَيْد أن القواسم المشتركة ظلت تمثل الجانب الأكبر من القضايا، كما أن الجدل الذي قام بين المسلمين عبر تاريخهم الطويل قوى من علاقات التأثر والتأثير بين مختلف المدارس والمذاهب.
وتتناول هذه الدراسة جانب الاجتهاد أو استنباط الأحكام، والتعرف على معالم المنهج الذي اختطه الإباضية في مجال الفقه، وتحديد أصول فقههم، كيف أصلوها؟ وكيف بنوا عليها اجتهادهم؟
تلقى العلم عن جابر تلامذة عديدون حملوه في الصدور ودوّنوه في السطور، وأنقذوا بتأليفهم جزءًا مهما من ديوانه الذي ضاع، ووصلنا عبر هذه الآثار معظم فقه جابر، بل أن كتب التفسير والفقه والحديث لعلماء المسلمين تطفح بآراء جابر بن زيد لشهرته بينهم فقيها ومحدثًا ومفسرًا.
ونما التدوين الفقهي لدى الإباضية بعد جابر نموًا مطردًا وتوالى عبر القرون وأنتج لنا موسوعات تُعد بالعشرات، تناولت أبواب الفقه جميع الإسلامي، وكان بدهيا أن يقوم هذا الصرح الفقهي على أصول ثابتة ومنهج مرسوم، ولكن النتاج الأصولي للإباضية لم يكن متناسبًا مع النتاج الفقهي، وهذا ما لفت الانتباه إلى تفسير هذه الظاهرة.
وعنوان المبحث الثاني من الفصل التمهيدي: «علم الأصول، التطور والروافد». ويشير المؤلف إلى أن علم الفقه علم إسلامي أصيل، نبت في تربة إسلامية، ونما وترعرع في رحاب القرآن والسُّنَّة وعلوم اللغة العربية، وإن وفد عليه في مرحلة لاحقة دخيل من المنطق ومباحث علم الكلام، فإن تلك العلوم ظلت إلى حد كبير علومًا إسلامية برغم ما شابها من تأثر بفلسفة اليونان وتراث غير المسلمين.
وعلم أصول الفقه كغيره من العلوم، بدأ وليدًا ثم شب واكتهل، ورعاه
العلماء المجتهدون، ووضعوا له الأساس، ثم أعلوا فوقه البناء.