الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٤424
مائة كتاب إباضي
ولم تكن مصطلحات هذا العلم متعارفًا عليها بين الصدر الأول في عهد الصحابة، فإنهم مارسوها في اجتهاداتهم تطبيقا، ثم تلاهم عهد التدوين والتقعيد وتمييز القواعد وضبطها وجمعها في منظومة متكاملة، وتم ذلك على يد الإمام الشافعي.
ولكن المسار لم يسلم من عقبات إذ نشأ خلاف بين مدرسة الحديث بالحجاز ومدرسة الرأي بالعراق لظروف تاريخية موضوعية أفرزت ذلك الخلاف؛ وقد وصل أحيانًا درجة حادة من التوتر والجدل الساخن لفقدان قواعد مشتركة تحسم الخلاف. وجاء الإمام الشافعي ليحسم الخلاف، فوضع كتاب: «الرسالة».
ومن جهة أخرى فإن الرسالة تمثل صورة صادقة للمشكلات الأصولية التي شغلت بال الأصوليين آنذاك، ومن ذلك الخلاف حول حجية خبر الآحاد في حجية الاستحسان وحجية القياس فكان المجال خصبًا للحوار العلمي الرصين الذي أنجب هذه الرسالة التي غدت أساسًا لانطلاقة مباركة في بناء صرح الأصول، ظهرت نتائجه الطيبة في القرون التالية.
أما
عن تدوين الأصول عند الإباضية فيمثل النتاج الفكري لهم جانبًا مهما من جهود هذه الطائفة لخدمة الإسلام وبناء حضارته معنويا وماديا، وقد بلغت تآليفهم حجمًا كبيرًا جعل الدارسين يتساءلون في اندهاش: كيف تدون كل هذه الآثار، ولا يسمع عنها إلا عدد يسير من الناس ثم لا يراها من
الآلاف من هؤلاء غير فئة قليلة؟!
إن للظروف التاريخية التي مرّت بها هذه الجماعة دورًا كبيرًا في تفسير هذه الظاهرة. وفي البدء لم يستقل علم الأصول بالتدوين لدى الإباضية إلا في زمن متأخر في حدود القرن الرابع الهجري حسب المعلومات التي أمدتنا بها المصادر، إذ كانت قواعد الأصول ممزوجة بمسائل الفقه وقضايا