الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٢٧منهج الاجتهاد عند الإباضية
427
الكلامي مع مؤلفات ابن بركة والوارجلاني، وإن كانت هذه السمة أقل ظهورًا عند ابن بركة لارتكازه على الجانب اللغوي وعلى التعليل الظاهري للأحكام دون الإغراق في دقائق العلة التي عني بها المناطقة وأتباعهم من المتكلمين أمثال الغزالي والآمدي.
والقاسم المشترك بين تأليف الإباضية في الأصول هو اهتمامها بالتقعيد والتأصيل دون تقص للفروع الفقهية، وتلك هي السمة الأساسية المميزة لمدرسة المتكلمين.
ولئن كان جامع ابن بركة نقلة نوعية في التدوين الأصولي لدى الإباضية، إلا أن الجهود لم تتواصل بنفس الوتيرة من بعده، فلم نر مؤلفات مستقلة في هذا العلم إلا قليلاً.
ورغم النتاج الفقهي الهائل الذي تلا عصر ابن بركة، والذي تجسد في موسوعات ضخمة بلغ بعضها تسعين مجلدا فقد بقي علم الأصول لدى المشارقة حبيس تراث ابن بركة يردد ما ورد في الجامع حرفيا أحيانًا، وباختصار أو بإضافات قليلة في بعض الأحيان.
ولم يختلف الأمر بالنسبة للمغاربة، إذ غدا كتاب «العدل والإنصاف» محور التأليف الأصولية بعد الوارجلاني إلى القرن العشرين؛ إذ كتب فيه الشيخ محمد أطفيش موسوعته الأصولية.
ولم يكن الإباضية بدءًا من الناس في مجال التأليف الأصولي، بل كانت الخطى لدى الجميع متسقة أو متقاربة ما دام الحديث عن منهج وعن علم معياري موحد المصادر والموارد، فانطلاقه من الوحي وغايته الحكم الشرعي. ولكن الاختلاف في بعض قضايا العقيدة صبغ تراث الإباضية الأصولي بهذا اللون العقدي، وتجلى ذلك في كثير من مباحثه وقضاياه.