الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٣٥منهج الاجتهاد عند الإباضية
435
خلت ساحتهم من الوضاعين لاعتقادهم أن الكذب كبيرة تُخَلّد صاحبها في النار، فكيف بالكذب على رسول الله، وقد توعد صاحبه بمقعده في
النار.
ومن القواعد التي اعتمدت في اجتهاد الإباضية تقديم السنة القولية على السُّنَّة الفعلية عند التعارض؛ لأن الحجة في القول عموم الخطاب فيه للمكلفين، أما الفعل فهو ليس عاما ولا موجهًا للأمة، وإن ثبت دليل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن تعارض قوله مع فعله يجعل الفعل محتملاً للخصوصية؛ لضعف دلالته عن السنة القولية. ويدور الفصل الثالث حول: «دليل الإجماع بين التصور والواقع». يبين المؤلف في هذا الفصل مفهوم الإجماع وكيفية حصوله، ومن هم أهله، وما هي شروط انعقاده، ورأي الإباضية في الإجماعات الجزئية كإجماع العمرين وإجماع أهل المدينة، وموقفهم من منكري الإجماع، وأثر هذا الدليل في اجتهاداتهم. إن الإباضية لم يقصروا الإجماع على شخص أو فئة، كما فعلت الشيعة باشتراطها وجود الإمام المعصوم ضمن المجتهدين، أو حصره على زمن معين كما فعل الظاهرية الذين منعوا وقوعه بعد عصر الصحابة، بل متى حصل اتفاق مجتهدي الأمة في زمان كان حجة على من بعدهم.
كما لم يعتبروا الإجماعات الجزئية حجة شرعية، كإجماع العمرين، وإجماع الخلفاء الأربعة بالنظر إليهم كأفراد ولا بإجماع أهل المدينة، وإجماع أهل البيت وغيرها؛ لأن العصمة ثبتت للأمة بكليتها عند اتفاق مجتهديها، لا لبعض أفرادها. ولأن ذلك ليس إجماعًا بالمعنى المقصود. وتظل تلك الإجماعات اجتهادات راجحة عند الاختلاف لا مانعة من الاختلاف فلها وزنها عند تعدد أنظار المجتهدين، لكنها ليست حجة ملزمة للناس.
ويتناول المؤلف في الفصل الرابع «القياس» باعتباره رابع أدلة الأحكام عند الجمهور. ويبين المؤلف مفهومه واختلاف أوائل الإباضية حول حجيته،