مائة كتاب إباضي محمد كمال إمام [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٣٦

436

مائة كتاب إباضي

وما استقر عليه أمرهم بعد ذلك، ثم إسهامهم في إثراء هذا المجال، ووضع قواعد توظيف القياس وتحديد مجالاته، وكيف تجسد ذلك في الفقه الإباضي. فقد وقع الخلاف بين الأئمة الأوائل حول حجية القياس ومدى اعتماده لاستنباط الأحكام، فارتضاه أكثرهم ورده بعضهم، ثم حصل الاتفاق على القول به، وتوسع فيه اللاحقون فأجروه في المعاملات وفي العبادات، وجاوزوا به إلى ميدان الحدود والكفارات.

وضم مصطلح الرأي ما عدا الأصول الثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع، وأحيانًا يقصدون برأي المسلمين الإجماع، فهم يعتمدون المصادر التبعية المختلفة، وظهر ذلك جليا في اجتهاداتهم وفي أبواب الفقه عمومًا، وقد أدى عدم وضوح المصطلح عند بعض الدارسين إلى اعتبار الإباضية من المنكرين للرأي، وهو فهم جانب الحقيقة.

وعنوان الباب الثاني: «اجتهاد التفسير»، وتضمن هذا الباب فصولاً أربعة مهد لها المؤلف ببيان علاقة اللغة بتفسير النصوص وخصص الفصل الأول للحديث عن «البيان» بما فيه من حقيقة ومجاز، وتقاسيم الألفاظ وضوحًا وخفاء، ومناهج المجتهدين في هذه التقاسيم، وموضع الإباضية من هذه المناهج، وإسهامهم في مباحث الدلالات بالمنطوق والمفهوم، وتطبيقاتها في مسائل فقهية عديدة.

وكان اعتماد الإباضية على الرأي في الاستنباط معتدلاً، فلم يجمدوا على حرفية النصوص صنيع أهل الظاهر، ولم يوغلوا في التأويل البعيد فعل أهل الباطن الذين أغرقوا في التفسير الإشاري الذي يجافيه وضع اللغة وعُرف الشارع. وتمثل اعتدال الإباضية في التأويل في أنهم يلجأون إليه بعد استنفاد طاقة العقل في سبر النصوص ومعرفة دلالاتها وعللها ومقاصدها، والالتزام

بروح

النص.