الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٤444
مائة كتاب إباضي
الإباضية وتميزها عن غيرها من المتطرفين الخوارج، ومن ثم يمكن اعتبار هذه الحادثة من الناحية التاريخية سببًا مباشرًا لظهور فرقة الإباضية.
ويشير المؤلف إلى أن التأسيس الحقيقي للفرقة كان على يد الإمام جابر ابن زيد الأزدي العُماني، الذي انضم إلى جماعة أبي بلال مرداس بعد مجيئه إلى البصرة، فكان لانضمام جابر هذه الجماعة أثر بالغ في نشأة الإباضية وتحديد معالم أفكارها وآرائها، ولعل أهم شيء يجعل الإمام جابر يميل نحو جماعة أبي بلال موقف هؤلاء من الأوضاع السائدة آنذاك، حيث يرون أن القتال بين أتباع العقيدة الإسلامية أمر لا يقبله العقل ولا الدين.
ولذلك آثرت هذه الجماعة الدخول في الكتمان وبناء على هذا الاختيار اجتهد الإمام جابر بن زيد في نشر دعوته سرًّا حتى لا يتعرض لكل ما يؤذيه ويبيد أتباعه، وهذا ما شجع المعتدلين من بقية المُحَكِّمة على الالتفاف حوله والاستزادة
من علمه، ولم يلبث أن أصبح رئيس الجماعة والمؤسس الحقيقي للحركة. وحظي الإمام بمكانة عالية، وثقة واسعة في مجتمع البصرة بفضل ثقله العلمي، وموقفه الاعتدالي، كما لعب دورًا معتبرًا في استمالة الخلفاء إلى المذهب. وفي الحقيقة أن هذه السياسة التي كان الإمام جابر ينتهجها والتي تقوم على مبدأ الاعتدال والابتعاد ما أمكن عن بؤر التوتر، وعدم الجهر بالرأي في وجه المخالفين، فضلاً عن استعراض الناس وعدم الالتجاء إلى العنف لإثبات رأي أو دفاع عنه، كانت هذه السياسة هي الوسيلة الناجحة للمحافظة على
الوجود الإباضي في وسط مفعم بالخلاف وكثير الفتن.
وجملة القول: إن ظهور الإباضية ونشأتها تعود جذورها إلى المجتمع العام لطائفة المُحَكِّمة في النهروان سنة (37 هـ / 685 م) بعد الذي وقع في موقعة صفين، من تحكيم الحكمين، وقد رفعت هذه الطائفة شعارها «قبلت الدنية
ولا حكم إلا لله».