الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥15
وقد تطور منهج التأليف عند الإباضية مع القرن الرابع الهجري، خاصة من خلال كتابات كل من «ابن بركة»، و «أبي سعيد الكدمي».
ويكاد يجمع المؤرخون الإباضيون وغيرهم على أهمية كتاب «الجامع» «لأبي محمد عبد الله بن بركة»، والذي يقوم على منهجية واضحة في الاستنباط الفقهي تعود إلى عدة أمور أساسية:
الأول: تحليل النصوص الشرعية في المسألة محل البحث، ومحاولة إدراجها نازلة مفردة يستوعبها الدليل الأصولي.
الثاني: قراءة النص في سياقه اللغوي، وهي منهجية حرص عليها مفسرو القرآن الكريم من الإباضية وبقية المذاهب؛ لأن قراءة النصوص بعيدا عن اللغة هو «التفسير المستكره بلغة الراغب الأصفهاني»، أي: الذي يرغم النص على أن ينطق بما ليس فيه، أو بما لا تحتمله قوانين اللغة وقواعدها.
الثالث: الاستعانة بعلم الخلاف، كما يقول «مهنى التواجيني»، وبيان أسباب اختلاف المجتهدين، والجمع بين القول الفقهي ودليله الشرعي، من قرآن أو سنة أو قياس أو غيرها من أصول التشريع المعتمدة مرتبة حسب قوتها في
الدلالة والاحتجاج.
الرابع: المقارنة بين المذاهب الإسلامية المختلفة، وقد وصل «ابن بركة» في هذا المجال إلى مرتبة متقدمة تجعله من رواد الفقه المقارن، وتستدعي دراسة مستقلة لفقهه في ضوء هذه الريادة مع تحليل قواعدها وضوابطها وأهدافها وغاياتها عنده.
الخامس: المنهج النقدي، والذي استخدمه ابن بركة» بفعالية كبيرة، سواء بالنسبة لآراء فقهاء الإباضية السابقين، أو بالنسبة لآراء المذاهب الإسلامية الأخرى، واستخدم «ابن بركة منهجه النقدي بنزاهة كاملة رغم العواصف
السياسية التي عاشتها المجتمعات الإسلامية في هذا الفترة الزمنية الساخنة.