الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٣الإمام جابر بن زيد، وتأسيسه الفكر الإباضي
473
فحسب، بل شمل ذلك نخبة من الصحابة والعلماء والفقهاء الذين عاصروا الإمام وعرفوا قدراته العلمية وشخصيته الفردية.
إن المتمعن في شهادات معاصري الإمام الخاصة بمكانته العلمية ينصرف ذهنه تلقائيًا إلى أن الإمام كان كثير الفتيا نظرًا لعلمه الواسع وقدرته على الفتيا، ومن أجل ذلك قصده السائلون من البصرة وخارجها، ورغم أن الإمام جابر كان كثير الفتيا إلا أنه لم يكن يفتي إلا بعد تثبت ويقين معتمدًا على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، سائرًا في ذلك على نهج العلماء، وآخذا بوصية عبد الله بن عمر، حيث يروى أن ابن عمر لقي جابر بن زيد في الطواف فقال: «يا جابر إنك من فقهاء البصرة فلا تُفتِ إلا بقرآن ناطق أو سُنَّة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت، فالمتأمل يجد أن جابر بن زيد أخذ بنصيحة شيخه الجليل
عبد الله بن عمر، وهو الدعوة إلى التحري والتثبت فيما يصدر من فتاوى. وبناءً على تلك الشهادات التي شهد بها أكابر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، عده علماء الجرح والتعديل من أبرز علماء القرن الأول الهجري وأكثرهم تفقها.
أضف إلى ذلك أن جابرًا كان من أوائل التابعين الذي عنوا بتدوين الأحاديث والسنن فقد احتل مكانة مرموقة بين أقرانه؛ فيكون بذلك جابر قد سبق أئمة المذاهب الأربعة. فكل هؤلاء بعد أبي الشعثاء، فأخذ حظه قبلهم فروى عنه أكثر المذاهب، ووثقه جميع نقاد الحديث، وأجمعوا على عدالته، وضبطه، وأمانته، واعتبره أهل الحديث من المحدثين الثقات ومن الفقهاء البارزين، بل اعتبروه من رجال أصح الأسانيد؛ لكونه أقدم الأئمة إذ أخذ علمه
من المصادر الصافية فمصدره الكتاب والسُّنَّة الصحيحة التي رواها الثقات.
ويعتبر سند الإمام جابر عن طريق الربيع بن حبيب في الذروة العليا من مراتب الإسناد عند علماء الإباضية، حيث إن أكثر روايته عن شيخه