الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٧٩الإمام جابر بن زيد، وتأسيسه الفكر الإباضي
479
ولا تذكر المصادر الإباضية وغيرها دليلاً واحدًا يؤكد أن السلطة الأموية
استطاعت
وضع
أيديها على أي تحرك أو شبهة لجابر وأتباعه.
منهج
ويُذكر أن الإمام جابر بن زيد يؤيد الثورة ضد الظلم إلا أنه لم يؤثر عنه أنه اشترك في ثورة علنية ضد الدولة الأموية. ولعل هذا يفسر لنا أن بعض التيارات المتطرفة المنحرفة التي ترفع السيف شعارًا لها مصيرها الزوال والدمار ولو بعد حين، أما الاعتدال الذي اتخذه الإمام جابر منهجًا لحركته أدى إلى بقائها إلى يومنا هذا. كذلك من سياسة جابر في إنجاح دعوته بسرية تامة يأمر أصحابه إذا ترك أحدهم مذهبه وتخلى عن مبادئه دون أن يطعن في أصحابه القدامى أو يفشي أسرارهم كانوا يتبرأون منه ولا يتعرضون له بأذى ويعتبرونه واحدا من المخالفين الذين لا تحل دماؤهم إلا إذا بدأ بالعدوان، ولكن إذا ترك أحدهم المذهب وعاب عليهم وطعن في معتقداتهم وأفشى أسرارهم وتسبب ذلك في قتل أحد من أهل الدعوة أُحل دمه.
إذا فسياسة جابر الناجحة في طور الكتمان ميزت دعوته عن جميع الفرق في تلك الفترة، فالحذر والحيطة والصبر وتحمل المشاق والبعد عن الثورات وبث العيون في المجالس، ساهم كل ذلك في نشر مذهبهم بسرعة فائقة دون انكشاف أمرهم، وبالتالي ظلت الحركة في أمان عن بطش الأمويين.
أما التنظيمات الدعوية فقد استطاع الإمام جابر بحنكته السياسية وعلمه الواسع في مرحلة الكتمان أن يخرج رجالاً يعول عليهم في القيام بمهام وشئون الدعوة في حياتهم وبعدها، فقام بجهود مضنية من أجل توسيع نطاق دعوته على امتداد واسع ولزيادة أتباعه ومناصريه داخل البصرة وخارجها، ففي البداية تمكن من قيادة دعوية داخل البصرة وذلك بالاعتناء بمجموعة من تلاميذه النجباء الذين تميزوا بالمنزلة العلمية المرموقة في الجانب العلمي، وبالذكاء
والقدرة على التنظيم والإدارة في الجانب السياسي.