الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٠٦506
مائة كتاب إباضي
نشأة الفقه الإباضي وأصوله التشريعية
يُعد الفقه الإباضي أقدم المذاهب الفقهية، إذ إن مؤسسه مدرسة الفقه الإباضي هو جابر بن زيد (ت 93 هـ /712 م، من كبار التابعين، وقد أدرك عددًا كبيرًا من الصحابة، ويكفي أنه أدرك سبعين بدريًّا على قلتهم، فحوى ما عندهم. وهنالك العديد من المؤهلات التي تجعل الإمام جابر بن زيد إمامًا لمذهب مستقل فرحلاته الكثيرة بين أرض العراق (وهي تمثل مدرسة أهل الرأي) وقد أمضى جلَّ حياته في البصرة منها، وبين أرض الحجاز: مكة والمدينة (وهي تمثل مدرسة أهل الحديث، وأخذه عن كبار الصحابة في كلا المصرين، أكسباه شخصية فكرية فذة، جمعت خير ما في المدرستين، وبوأته مكانة عالية عندهما
معا، فهو يأخذ بالحديث الصحيح، ويعمل بالرأي فيما لم يرد نص صحيح.
ومن المهم الإشارة إلى أن التتلمذ المميز للإمام جابر بن زيد على الصحابي الجليل عبد الله بن عباس انعكس على منهجه الفكري، وقد شهد ابن عباس نفسه العديد من المرات بتفوق تلميذه ونبوغه، فمن قوله لأهل العراق: «يا أهل العراق، كيف تسألونني وفيكم جابر بن زيد؟!»، وقوله أيضًا: «اسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه»، إلى غير ذلك من عبارات الثناء والتقدير لعبقرية تلميذه الفذة كما لا يخفي الإمام جابر بن زيد إعجابه بشيخه، فيقول: «لم ألق مثل ابن عباس»، ويسميه سيد الفقهاء. ومن المعلوم أن منهج ابن عباس إزاء النص ليس فيه تفريط ولا إفراط، فهو لا يقف عند ظاهر النص دون أن يبحث في معناه، ومع ذلك لا يعمل العقل في خارج إطاره الذي وضع فيه.
إن الإمام جابر بن زيد لم يكن يفتي ويصدر الأحكام إلا وفق مبادئ وأصول اقتنع بصحتها وصوابها، فهو غير متهيب من الرأي كل التهيب، ولا جريئًا كل الجرأة، كما لم يكن يقبل من الحديث كل ما ينقله الناس، ولم