الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥١٩الفكر السياسي عند الإباضية
519
الباب الأول عنوانه: «المذهب الإباضي»، ويضم أربعة فصول: الفصل الأول عن نشأة المذهب الإباضي، حيث يقول المؤلف: إن المذهب الإباضي ليس مذهبًا سريًّا، وليست أصوله التي ينبني عليها خافية أو مجهولة، وليس أتباعه ممن يستترون أو يختفون وليس المذهب الإباضي سوى تعاليم الإسلام السامية وأصوله المستقاة من نبعه الصافي في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وروتها ثقاة عدول ذوو عقول راجحة.
أما النشأة فتعود أسبابها إلى الظروف السياسية بالدرجة الأولى حينما اشتدت أزمتها في الثلثين الأخيرين من القرن الأول للهجرة، فضلاً عن الوضع الاجتماعي المتناقض، مما تولد عن ذلك اختلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم حول بعض القضايا في
الفقه والسياسة، وكان ذلك سببًا لاجتهاد العلماء من الصحابة والتابعين.
ومن ثم تعددت الآراء وتباينت الأفكار فكثر الجدل والمناظرات بين العلماء، وبالتالي علم الكلام عند المسلمين والفرق، وزعمت كل منها أنها على حق وما سواها على ضلال. في حين بالغت الشيعة وكذا الأمويون في تكفير الخوارج واتهامهم بالزيغ والضلال ونعتهم بالمارقة وأهل الأهواء. وفي هذه الظروف المتوترة لم يكن الصراع الفكري وحيدًا في إذكاء نار الفتنة، بل تفاقم الوضع وتحوّل الخلاف من حرب كلامية إلى صراع مسلم، حتى حدوث الفتنة الكبرى وما تلاها من أحداث في معركة الجمل وموقعة صفين.
أما الإباضية كفرقة مستقلة فإنها لم تظهر جليا في تلك الظروف ولم تكن آراؤها قد تبلورت نظرًا للتغير السريع في مجريات الأحداث، فلم يستقر الوضع آنذاك جيدًا لتنضج الأفكار، وبالتالي تتميز الفرق عن بعضها؛ ولذلك اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ معين لظهور الإباضية كفرقة إسلامية ذات استقلال فكري وأصول واضحة ومبادئ محددة ورجال معينين.