الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٩189
مسائل علم أصول الفقه، جعلها مدخلًا ومنفذا ينفذ من خلاله إلى الفقه، ولا غرابة في ذلك، فإن علم أصول الفقه هو ـ بلا شك ـ القواعد والأصول التي يُبنى عليها الفقه، وتستخرج جزئيات مسائله في ضوئها.
وقد بين الإمام ابن بركة نفسه الدافع الذي دفعه إلى وضع هذه المقدمة وأهميتها في صدر كتابه حين قال: «فالواجب عليه ـ أي: الفقيه ـ إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سُنَّته ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة والاحتجاجات الواضحة».
ثانيا: وجود الفقه المقارن فيه: إذ حاول الإمام ابن بركة أن يجعل من كتابه: «الجامع» ما يشبه كتابًا في الفقه المقارن في عصرنا هذا، فعنايته البالغة بفقه مذهبه الذي ينتمي إليه لم تكن تمنعه من ذكر آراء الفقهاء من الصحابة والتابعين وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى.
وهذا يعطينا دلالة واضحة على أن الإمام ابن بركة قد اطلع على بعض كتب المذاهب الإسلامية الأخرى، واشتغل بقراءتها، فنقل أقوال أصحابها في كتابه، ويدل على ذلك من أسماء بعض الكتب التي طالعها، وأمعن النظر فيها، مثل کتابه: «اختلاف الفقهاء» للإمام الطبري، وغيره حيث كان معظم الفقهاء الذين ذكرهم في كتابه يعيشون في العراق، وقد كان الاتصال بين عُمان والعراق - خاصة البصرة منها ـ في ذلك الوقت أمرًا معتادًا بحكم قيام سوق التجارة بينهما.
ثالثًا: عنايته بفقه المذهب الإباضي وقد أولى الإمام ابن بركة هذا الجانب اهتمامًا خاصةً وعناية كبرى. وقد جاء ذلك انطلاقا من الغاية والهدف الذي حمله على تأليف هذا الكتاب؛ ولهذا فقد بذل جهده ليجعل من كتابه «الجامع» مرآة عاكسة يستشف القارئ من خلالها الفقه الإباضي بمعالمه واتجاهاته وتصوراته ومعالجة فقهائه للقضايا
الفقهية من لدن أقطاب المذهب الأوائل الذين قامت أسسه ودعائمه على أيديهم.