الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤204
مائة كتاب إباضي
لحكمِهِمْ شَهِدِينَ * فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ وَكُلًّا أَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 78 - 79]. وكأنه يشير بهذا الاستشهاد إلى ما اجتهد به سليمان هو مما أقره عليه الوحي الإلهي، ولكن لا يقول قائل: إن هذا شرع من قبلنا لا يلزمنا.
الموضوع الثاني: «خطأ العالم». نقل الإمام الكدمي في باب طلب العلم عن بعضهم ولم يسمه؛ إذ صدر ما نقله بصيغة التجهيل، فقال: «وقيل خطأ العالم الذي يجوز له أن يقول بالرأي مرفوع عنه، وصوابه مأجور عليه».
ثم علق على ذلك بقوله: «أما قوله خطأ العالم فمضى أن الخطأ هذا في خطآن، خطأ ضلال وهو أن يقول بالرأي فيما لا يجوز فيه الرأي، مما جاء فيه الحكم من كتاب الله أو من سُنَّة رسوله، أو من إجماع الأمة، أو ما أشبه ذلك، فإذا قال في هذا بشيء من رأيه مما يخالفه ولو كان ممن يجوز له القول بالرأي فأخطأ فيه فهو هالك ضال فيما قال؛ لأنه قال بالرأي في غير موضع الرأي، وليس مرفوعًا عنه خطوه ولا نعت عين بل آثم في ذلك ظالم».
وإذا قال بالرأي في موضع الرأي وهو ممن يجوز له القول بالرأي باجتهاده بالرأي فوافق الصواب كان مأجورًا مصيبًا، وإن خالف الصواب باجتهاد رأيه وهو من أهل ذلك كان معذورًا، ومن الحق كان قريبًا، لا فرق بينه وبين من أصاب الحق على الحقيقة الذي طلبه كما لا فرق بين من تحرى القبلة عند عدم معرفتها بالعين أو بالشواهد الدالة عليها فتحرى القبلة، وأدى لازمه من الصلاة ومعه غيره يتحرون مثل ذلك، كأن كل منهم يجتهد رأيه فأصاب بعض وجه القبلة باجتهاد، وأخطأ بعضهم وصلوا الصلاة على ذلك، ففي الإجماع أنهم مسلمون، متفقون غير مختلفين.
والقول المنقول الذي قرر رفع المؤاخذة عن العالم المؤهل للفتيا برأيه إذا أخطأ بفتواه، وأنه مأجور في حالة صوابه على وجه العموم، وقد فصل الشيخ الكدمي القول في هذا الموضوع تفصيلا بديعا ولم يجعل حالة الخطأ واحدة،