الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٠260
مائة كتاب إباضي
وقد ساهم في تدعيم هذه الحركة التعليمية ما كان عليه أبو قاسم بن مخلد من اليسر وسعة ذات اليد، حيث يقوم بأمر الطلبة وما يحتاجون إليه من نفقة. وكان من سيرة الشيخين التنقل في أحياء «مزاتة» مع طلبتهم في فصل الربيع، ينزلون ضيوفا على تلك الأحياء، يعلمون العلم ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما هي عادة الأشياخ والطلبة.
ولا نعلم مدة هذه المرحلة من حياة أبي خزر، إلا أنها بلغت نهايتها حين ارتاب السلطان العبيدي في نوايا أبي القاسم بن مخلد، وشعر فيه بما أقلقه، إذ توجس منه القيام ضده والوثوب عليه لما يراه من طاعة جموع الإباضية له والتفافهم حوله، ولما كان عليه من الجاه والعلم والفضل بين إباضية المغرب. ويظهر أن أسباب النفور من سلطان العبيديين كانت متأصلة في أهل أفريقية، فقد واجه العبيديون قبل ذلك ثورة جامعة قادها ضدهم أبو يزيد مخلد، فاكتسح معظم مناطق نفوذهم وحصرهم في المهدية، ولكنه أساء السيرة وارتكب شنائع كثيرة جعلته محل نقمة الناس - خصوصا الإباضية الوهبية - فوقفوا من ثورته موقف المحايد الذي يرى الفريقين سواء في فساد السيرة وتنكبهم للسيرة القويمة في الحكم، ومخالفة أحكام الإسلام في ذلك.
وقد أحس سلطان العبيديين شيئًا من الخطر في تحركات أبي القاسم، والتفاف الإباضية حوله لما له من مقومات الرئاسة، وقد قام السلطان بالتدبير الذي يظنه حاسمًا للأمر قبل أن يتفاقم فأمر واليه بقتل أبي يزيد، فنفذ الوالي هذا الأمر بعد تردد منه، وقضى هذا التدبير على الشخصية الإباضية الأولى التي كانت تمثل خطرًا حقيقيًا على السلطان.
وبدلا
كلمة
من أن يؤدي هذا التدبير إلى إرهاب الإباضية، وإلى سكونهم لحكم الدولة العبيدية ورضوخهم له، تسبب ـ على العكس من ذلك ـ في جمع الإباضية، فاتفقوا على القيام ضد الحكم العبيدي، والأخذ بثأر أبي القاس