الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧١الوضع - مختصر في الأصول والفقه
271
تقدم لطلب الحق، ورأى الحاقدون أن يختلسوا منهم غرة لهدم الإمامة، فاغتالوهما، فوجد الناس سيف أحدهما في رقبة الآخر، فحصل الخلاف بين الناس فتفككت تلك الوحدة المتينة التي جعلت «نفوسة» وما حولها كتلة واحدة. وكادت الطامة تقع لولا أن وفدا توجه إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة لطلب حل هذه المشكلة فأفتى أن يتركوا على الولاية الأصلية؛ لأن الأصل فيهم الولاية. والقضية في الأصل قصد بها إيجاد التفرقة بين تلك القوة العتيدة
التي لم تفت في عضدها الجيوش. فكان أول إمام بويع بالمغرب هذا الإمام. و «نفوسة» كانت في عهد الإمامة قوةً وسندا لها، ولم تكن الإمامة في تيهرت تعتمد في قوة الأمن - الجيش والشرطة - إلا على نفوسة، وقد اشتهر علماء نفوسة بطول الباع في العلوم والتأليف وامتلأت الخزائن في عصور مديدة بمؤلفاتهم في سائر العلوم العقلية والنقلية والرياضية.
ويدل على ذلك ما قال في شأنها ابن خلدون: «لقد ترامت إلينا في هذا العهد من تلك البلاد دواوين ومجلدات من كلامهم في فقه الدين وتمهيد عقائده وفروعه، ضاربة بسهم في إجادة التأليف والترتيب».
ولنفوسة الفضل في رسوخ الإسلام في العنصر البربري، وذلك أن نفوسة نقلت العلوم من البصرة إلى بلادها، حتى بلغ فيهم أئمة جهابذة، وظهر فيهم أساطين العلماء الذين أبرزوا ذخائر العلوم ما فاقوا به، كعلماء المشرق: عُمان، والبصرة والكوفة واستفرغوا الجهد لاستنباط الأحكام في كثير من القضايا الفقهية. فعرفت نفوسة بآرائها في شتى من المسائل فيقال: هذا مذهب أصحابنا من أهل المغرب.
وفضل «نفوسة» في دخول الإسلام إلى السودان لا يُنكر، وصلة «نفوسة» بالسودان منذ الإمامة الرستمية، وذلك بطريق التجارة، يستجلب الراحلون من البلاد النفوسية إلى مملكة «مالي» حاصلات تلك البلاد.