الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٤294
مائة كتاب إباضي
هي قريبة
في المكان الأول يعرفنا الكتاب بعدد من مراكز إشعاع المذهب الإباضي، مثل قنطرارة، وقفصة، ووارجلان وتيهرت وما كان يجري فيها من نشاط في التعليم والجدال والجهاد والإفتاء … إلخ، في الوقت الذي ترجم فيه لعدد من أئمة المذهب ومشايخه ويقدم إلينا عنهم صفحات مؤثرة، تبرز إلى جانب علمهم، فضلهم وتقشفهم وميولهم إلى العدل، والتمسك بأهداف الدين الحنيف، وهو في كل ذلك يتحدث عن شخصيات معاصرة له، أو العهد به، ولا تزال مآثرها حيّة وذكراها عاطرة في نفوس الناس. لم يكن أبو زكريا من مؤرخي القصور، ولم يلتمس رضا سيد من الأسياد، وإنما هو عالم يدفعه إلى تسجيل سير أشياخه ليكونوا قدوة للأمة، نفس الإيمان الراسخ الذي حمل أسلافه على الوقوف في وجه أمواج القوة المتعاقبة. والصفحات التي خصصها المؤلف لثورة أبي يزيد الخارجي مفعمة بالتفاصيل المثيرة، وذلك فضلا عن أن الكاتب يفند زعم القائلين بأن الإباضيين متضامنون بطريقة العصبية وينصرون أخاهم ظالمًا أو مظلوما»، حيث إنه
لا يتردد في استنكار الفظائع التي ارتكبها هذا الثائر ويصفه بأنه «عدو الله». وفي نفس الوقت فإن وصف المؤلف للعبيديين بأنهم هم أيضا «أعداء الله»، لم يمنعه من أن يخصص صفحات من كتابه لينقل إلينا صورة فريدة عن معاملة المعز لدين الله لأبي نوح سعيد بن زغيل، ولأبي القاسم بن يزيد بن مخلد، الإمامين الإباضيين اللذين قادا ثورة فاشلة ضده، وقد بلغ به الأمر في حرصه على إرضائهما وإرضاء أتباعهما أنه عرض عليهما إعادة ملك تيهرت إلى الطائفة الإباضية.
أما ما ذكره أبو زكرياء عن الأئمة الرستميين فهو بالتأكيد أدق وأغنى ما وصل إلينا من المعلومات عن هذه الدولة، وكتاب «السير» سيظل المرجع الأول والأخير عنها.